كل العالم دون استثناء صحف تلفزيونات انشغلت بالزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى ثلاث دول خليجيه والتي جاءت تحت أهداف رئيسية أبرزها لرسم رؤية لاستعادة الدور الأمريكي القائم على البراغماتية والمصلحة الذاتية.. وهنا البعض يسخر من مسألة حجم الاستثمارات لدول الخليج الفارسي بشكل عام والدول الأكثر ثراء وهي كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ..
وحتى نفهم لماذا تنقل الفوائض المالية المتحققة لهذه المجموعة العربية من اقتصاداتها الى اقتصادات العالم الاخرى ذات العجز في موازينها…ونحاول ان نطرح بعض الأسئلة.
السؤال الأول: من هي دول العالم ذات الاختلال في موازين مدفوعاتها..
يقسم هذا الاختلال الى قسمين الأول فائض دائم والثاني عجز دائم.. وتحقق الدول الخليجية المعنية النوع الثاني .وتسجل نحو 173.3 مليار دولار للسنوات من2021 الى 2023 وهو ما يعادل 8.2% من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة. والذي بلغ نحو 1691.8 مليار دولار للعام الاخير.
السؤال الثاني: من هي الدول أو المجموعات الدولية التي تحقق فوائض مالية كبيرة في موازين مدفوعاتها.
الجواب.؛ هي عادة دول الاتحاد الأوربي وبحجم يبلغ نحو 150.1 مليار يورو . واليابان بواقع 15824.8 مليار ين ياباني والدول الصناعية ضمن مجموعة G7 والدول الناشئة في جنوب _ وجنوب شرق آسيا. مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونك كونك وتايلاند أو ما تسمى دول النمور الآسيوية الأولى والثانية.
السؤال الثالث. من هي الدول التي تحقق عجز في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات في العالم.
الجواب: هناك بعض الدول الصناعية مثل بريطانيا بعجز يبلغ أكثر من 80 مليار جنيه استرليني لعام 2024 ولكن في مقدمة تلك الدول هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تحقق عجزا متعمدا متواصل منذ بداية الثمانينات من القرن المنصرم ومنذ عهد الرئيس الأمريكي ريغان وكان ذلك بسبب تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن قاعده استبدال(الدولار- الذهب ) في 15 اب عام 1971 وما ترتب عليه إرتفاع التضخم مع حصول الركود التضخمي Stagnation . وبلغ عجزها في الميزان التجاري نحو 1.1 تريليون دولار عام 2024.
السؤال الرابع: لماذا حتمية تصحيح الاختلال في موازين المدفوعات للدول الفائض أو العجز.
الجواب: يتوجب على الدول ذلك من أجل التوازن الحسابي للموازين مدفوعاتها والميزان المدفوعات العالمي. ويتم ذلك بحركة رؤوس الأموال الفائضة من دول الفائض الى دول العجز..وتسجل بفقرة بنود التصحيح دائنة في دول العجز ومدينة في دول الفائض على عكس حركة السلع والخدمات في ميزان التجارة السلعية..وهنا لابد ان تتحرك رؤوس الأموال من دول الفائض ومنها دول مجلس التعاون الخليجي الى دول العجز وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وبالنتجية توازن موازين مدفوعاتها والميزان المدفوعات العالمي وبعبارة أخرى معرفة حركة و حجم السيولة المالية العالمية ..
وهنا يسجل موقف لافت..لماذا لا تتجه الفوائض المالية المتحققة في دول الفائض الى دول الاتحاد الأوربي. هنا الاخيرة لا ترغب فيها لانها تخشى من إرتفاع معدلات التضخم في اقتصاداتها. على عكس الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة القادرة على امتصاص تلك الفوائض من خلال ميزان حركة رأس المال القصيرة والطويلة الأجل في ميزان مدفوعاتها.
السؤال الخامس؛ كيف تتعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع فوائض موازين مدفوعاتها.
الجواب في السبعينات من القرن المنصرم. كانت تعود إلى سنويا عند تصحيح الاختلال في موازين مدفوعاتها في نهاية كل عام ( 31 – 12) الى دول العجز في ظاهرة تسمى( البترو- دولار ) وكانت واحدة من عوامل نشوء وتضخم المديونية الخارجية العالمية ) بعدها جاءت فكرة إنشاء الصناديق السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي المعنية لغرضين الأول تصحيح الاختلال في موازين مدفوعاتها والثاني القيام بالاستثمارات الضخمة بما يحقق التنويع الاقتصادي لاقتصاداتها. وهنا لابد من ذكر حجم تلك الصناديق.
- صندوق هيئة ابو ظبي بحجم 1057 مليار دولار .. رابع عالميا
- الهيئة العامة للاستثمار الكويتيه بحجم 1029 مليار دولار..الخامس عالميا.
- الصندوق السعودي بحجم 925 مليار دولار…سادس عالميا.
- هيئة قطر للاستثمار بحجم 520 مليار دولار..تاسع عالميا.
السؤال السادس؛ هل فقط رؤوس الأموال الفائضة الخليجية تذهب Outflow دون وجود استثمارات Inflow. أي لا توجد بيئة أمنه للاستثمارات في هذه الدول.
الجواب. كلا. تعد هذه المجموعة العربية من أفضل وجهات الاستثمارات الاجنبية والبينية فقد بلغ حجم الاستثمارات الاجنبية الواردة اليها نحو 659.0 مليار دولار في نهاية النصف الثاني من عام 2024. الى جانب امتلاكها حجم احتياطيات رسمية من الذهب والنقد الاجنبي تبلغ 804.1 مليار دولار لنفس العام الأخير.
السؤال السابع: لماذا دول مجلس التعاون الخليجي تعد شريكا اقتصاديا مضمونا من قبل أمريكا بشكل خاص والغرب الصناعي بشكل عام.
الجواب..ان دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تمتلك احتياطيات من النفط الخام تبلغ نحو 512 مليار برميل يمثل ما نسبتة 33 % من الاحتياطيات العالمية ومن الغاز الطبيعي تمتلك قطر احتياطيات من الغاز الطبيعي نحو 24 مليار مترمكعب. وتعد المملكة العربية السعودية الدول الأولى من حيث انتاج النفط الخام وفق معيار منظمة اوبك بانتاج يبلغ أكثر من8.97 مليون برميل يوميا ، كذلك تعد هذه الدول ضمن مجموعة G20 التي ترسم ملامح الاقتصاد العالمي. بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية..
السؤال الثامن؛ ما موقف الميزان التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية؟
الجواب..بلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 120 مليار دولار..ولصالح أمريكا..وهذا يعني ان الفائض التجاري لدول الخليج ليس مع الولايات المتحدة الأمريكية وانما الشركاء التجاريين الرئيسين لها هي دول الاتحاد الأوربي واليابان ودول صناعية أخرى.. وهنا لابد من الاشارة الى حجم التجارة الخارجية عدا البينية لدول مجلس التعاون الخليجي بلغت 1487.4 مليار دولار. والتي تمثل ما نسبته 26.8% من التجارة الخارجية الأمريكية.
السؤال التاسع، ؛ ما حجم صفقات الاستثمارات التي حصلت بين الولايات المتحدة الامريكية ودول مجلس التعاون الخليجي في زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما هي مجالات هذا الاستثمارات خلال الأيام الماضية, ( 13- 15) من شهر مايو ..
الجواب ؛بشكل إجمالي بلغت ما تم التوقيع عليه أثناء الزيارة والمتوقع التوقيع عليه لاحقا نحو أربعة تريليونات دولار( التريليون يعادل 1000 مليار دولار ) ((والتي تعادل ضعفي حجم الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاداها مجتمعة)) ، والتي ستحصل على مدار مدة زمنية قرابة العقد من الزمن. وتركزت مجالاتها في القطاعات الطاقة والدفاع الجوي والصاروخي والقوات الجوية والفضاء والامن البحري والاتصالات وقطاعاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطيران المدني، ،، ومن أبرز تلك شراء قطر لطاءرات 787 بيونغ بقيمة 96 مليار دولار. كذلك اتفقت الإمارات العربية المتحدة مع شركة انفيديا على شراء 500 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي متطوره سنويا تستخدم في مجال الذكاء الاصطناعي.. و في السعودية تضمنت احدى الصفقات شراء اسلحة بقيمة 142 مليار دولار..
السؤال العاشر: هل ستعمل تلك الاستثمارات لدول زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى تنويع اقتصاداتها، ؟
الجواب..دون شك ان ذلك سيكون حصيلة مؤكدة..خصوصا ان هذه المجموعة العربية حققت معدل تنويع اقتصاداتها بما يقترب من مؤشر التنويع الاقتصادي العالمي لعام 2025 الذي يبلغ، ،( 09.3) وخصوصا الإمارات العربية المتحدة وقطر. وفي السعودية نجحت في الوصول الى مساهمة للنفط الخام تبلغ 62% من إيرادات الحكومة السعودية عام 2024
السؤال الاخير، : هل ان تلك الصفقات التريلونية ستجعل من دول مجلس التعاون الخليجي..منعزلة عن محبطها الاقليمي..اي ما هي الجنبة السياسية لها؟
الجواب: بالتأكيد سيحصل تركز وتمركز في ملفات الشرق الأوسط وستكون الزعامة بيد هذه المجموعة العربية في ظل سياسة ترامب ضد ايران ، ونجاح رفع العقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية على سوريا…والتقليل من دور جمهورية مصر العربية في قضايا هذه المنطقة مع تراجع مساهمة دول المغرب العربي في القضايا المركزيه العربية. لسبب واضح لماذا لم يكون جزء من تلك الصفقات المليارية من نصيب دول عربية وحتى الإسلامية تعاني من نقص مواردها المالية..مثل مص والأردن وتونس واخرى…والمحزن الأكثر لم نرى صدى انساني لتلك الصفقات التريلونية حول وقف الابادة التي تحصل في غزه..
وأخيرا….
لابد من الاشارة إلى الاقتصاد الأمريكي صحيح يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة ويسعى الرئيس الأمريكي السابع والأربعون دونالد ترامب الى معالجة تلك المشاكل البنوية من خلال سياسة التعريفات الجمركية على شركاء الولايات المتحدة الأمريكية الرئيسين مثل الصين ولكنه يدرك تماما ان بلده وفي عهده وإلى الأبد لايمكن لها تحقيق الاكتفاء الذاتي….لكن لا نسى مقومات القوة الاقتصادية في مقدمة ذلك امتلاكها 60 تريليون دولار من سوق الأسهم العالمية البالغة نحو 124 مليار دولار..إضافة إلى القوة العسكرية الضخمة..


