الدكة العشائرية بالعراق بين توصيف الخطاب السياسي وقرار القضاء: جريمة إرهابية لا “سلوك حضاري”

الدكة العشائرية بالعراق بين توصيف الخطاب السياسي وقرار القضاء: جريمة إرهابية لا “سلوك حضاري”
تحولت الدكة العشائرية من عرف اجتماعي إلى جريمة إرهابية تهدد السلم الأهلي. تضارب المواقف بين القضاء المجرّم والسياسي المبرّر يكشف ازدواجية خطيرة تضعف الدولة وتربك القانون، وتؤكد الحاجة لخطاب موحد يعيد هيبة العدالة ويصون الأمن....

تُعد الدكة العشائرية من أخطر الظواهر التي عصفت بالمجتمع العراقي خلال السنوات الأخيرة. إذ تحولت من ممارسة عشائرية ذات طابع تقليدي إلى سلوك مسلح يهدد السلم الأهلي ويزرع الرعب في المدن والقرى، بعدما اتخذت شكل إطلاق نار على البيوت وإرعاب المدنيين.

من هنا جاء موقف مجلس القضاء الأعلى واضحًا وحاسمًا في عام 2018، عندما صنّف “الدكة العشائرية” جريمة إرهابية بموجب قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005، وشدد على أن مرتكبيها يخضعون لأشد العقوبات.

لكن الجدل عاد مؤخرًا إلى الواجهة بعد تصريح المستشار السياسي لرئيس مجلس الوزراء والقيادي في تحالف السوداني، محمد العكيلي، الذي وصف الدكة بأنها “سلوك حضاري” ووسيلة للتنبيه للمقابل. هذا الوصف أثار موجة استنكار واسعة، كونه يتناقض بشكل صارخ مع الموقف القضائي والقانوني.

ازدواجية خطيرة.   قضاء يجرّم وسياسي يبرّر

  • القضاء العراقي: اعتبر الدكة العشائرية فعلًا إرهابيًا، لأنها تنطوي على استخدام السلاح ونشر الفوضى وترويع الآمنين.
  • الخطاب السياسي (العكيلي): وصفها بأنها سلوك حضاري للتنبيه، في محاولة لتلطيف الجريمة ومنحها غطاءً اجتماعيًا.

هذا التضارب يكشف عن ازدواجية خطيرة في الخطاب الرسمي: فمن جهة الدولة ترفع شعار سيادة القانون ومحاربة الإرهاب، ومن جهة أخرى يخرج مسؤول في موقع حساس ليشرعن ما اعتبره القضاء إرهابًا.

التداعيات

أمنيًا: هذه التصريحات قد تشجع بعض العشائر على الاستمرار في الممارسة، باعتبارها مشروعة أو “مقبولة”.

قانونيًا: التناقض بين القضاء والسياسة يربك الأجهزة الأمنية ويضعف الردع.

اجتماعيًا: وصف “الجريمة الإرهابية” بأنها “حضارية” يكرس ثقافة الفوضى بدلًا من ترسيخ ثقافة القانون.

التبرير لإرضاء السلطة

من المؤسف أن تتحول بعض التصريحات إلى خطابات تبريرية لإرضاء الرئيس أو السلطة، حتى لو كان الثمن إضفاء شرعية على جريمة إرهابية. هذا النمط من المواقف لا يخدم الحكومة، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع القضاء والرأي العام، ويحرجها أمام المجتمع الدولي، ويهدم الثقة بين المواطن والدولة.

رسائل موجّهة

  • إلى القضاء العراقي: التمسك بقراراته السابقة، وتأكيد أن أي خطاب سياسي متناقض لا يلغي صفة الجريمة الإرهابية.
  • إلى السلطة التنفيذية: الالتزام بخطاب موحد يحترم سلطة القانون ولا يمنح غطاءً للعنف.
  • إلى الرأي العام: الوعي بأن الدكة ليست عرفًا اجتماعيًا بريئًا، بل جريمة تهدد حياة الأبرياء واستقرار المدن.

الدكة العشائرية ليست “تنبيهًا” ولا “سلوكًا حضاريًا”، بل هي جريمة إرهابية بنص القضاء والقانون. وأي محاولة لتبريرها تمثل خيانة لمبدأ سيادة القانون وتفريطًا بأمن العراقيين.

إن الدولة تُبنى بخطاب قانوني موحد يحترم القضاء، لا بتصريحات متناقضة تصدر لإرضاء الرئيس أو السلطة. والوعي الشعبي هنا ضرورة، كي لا تتحول التبريرات السياسية إلى غطاء جديد للفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *