في المشهد العراقي المليء بالتوتر مع اقتراب الانتخابات التشريعية، لا تبدو الحملات الانتخابية كفضاء للتنافس على البرامج بقدر ما تبدو كعروض مسرحية تدار داخل فقاعات إعلامية مصطنعة. فبدل من أن ينشغل المرشحون بمصارحة المواطن ببرامج إصلاحية واقعية، تراهم يغرقون في صناعة صور لامعة ووعود ضخمة تفتقر إلى أي خطة للتنفيذ. هذه الفقاعات لا تضيء الطريق أمام الناخب، بل تحجبه عن الحقائق وتدفعه إلى العيش في عالم افتراضي تملؤه الشعارات أكثر مما تملؤه الحلول.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الفقاعات وحدها، بل في تسلل المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة إلى قلب العملية الانتخابية. فعوض أن يحصل المواطن على بيانات دقيقة عن الاقتصاد، الخدمات، فرص العمل، والسياسات العامة، يجد نفسه محاط بخليط من الشائعات والقصص الملفقة التي تثير الخوف وتغذي الانقسام. هكذا يتحول النقاش العام من تفكير عقلاني إلى انفعال عاطفي، ومن نقد موضوعي إلى تصديق أعمى للأساطير السياسية.
مزارع التهييج الرقمي
في هذا السياق، تتجلى مزارع التهييج الرقمي (Troll Farms) بوصفها الجبهة الخفية التي تدير عمليات التضليل والتشهير. هذه المزارع ليست مجرد حسابات متناثرة، بل شبكات منظمة من الروبوتات والحسابات المزيفة والمجموعات الممولة، تعمل على تضخيم صورة بعض المرشحين وتشويه صورة آخرين، وتغمر الفضاء الرقمي برسائل متكررة تجعل الأكاذيب تبدو وكأنها حقائق شائعة. وتستند هذه الجبهة إلى استراتيجيات مدروسة، صناعة روايات عاطفية تغري الناخب، تضخيم أحداث ثانوية لتشتيت الانتباه، وافتعال معارك وهمية لتغذية الانقسام بين المكونات.
إن خطورة هذه المزارع الرقمية تكمن في قدرتها على تقويض الثقة العامة. فهي لا تكتفي بتغيير اتجاهات التصويت، بل تدفع المواطن إلى الشك في كل ما يسمعه أو يراه، حتى من المصادر الموثوقة. والنتيجة هي تآكل ثقة المجتمع نفسه بجدوى الانتخابات كوسيلة للتغيير. وهنا يتحول الناخب من فاعل يمتلك القدرة على الاختيار إلى ضحية للضباب المعلوماتي، ومن صاحب قرار إلى مجرد متلقي لموجات متناقضة من التضليل.
المقاربة الجذرية لمواجهة هذه الجبهة
إن مواجهة هذه الجبهة تتطلب مقاربة جذرية، تبدأ …
أولا ،بإعادة الاعتبار للحقيقة. المطلوب أن يزود المواطن بمعلومات دقيقة، وأن تبنى الحملات الانتخابية على برامج واضحة قابلة للتنفيذ، لا على وعود خيالية.
ثانيا، لا بد من دور مهني للإعلام المستقل الذي لا يكتفي بنقل تصريحات المرشحين، بل يواجهها بالتحليل والتمحيص ويكشف التناقض بين الخطاب والواقع.
ثالثا، يجب تفعيل أدوات التحقق الرقمي ومكافحة الأخبار الكاذبة، إلى جانب مبادرات مدنية ترصد وتفضح حملات التشهير والتضليل.
الانتخابات ليست استعراض دعائي ولا سباق في إطلاق الخرافات، بل هي عقد اجتماعي جديد. فإذا استمر هذا العقد يكتب بلغة الفقاعات والأساطير، فسوف يزداد الانفصال بين المواطن والدولة، وتنهار آخر جسور الثقة. أما إذا خاض المجتمع معركة استعادة الحقيقة، فإن الانتخابات يمكن أن تتحول إلى أداة حقيقية للتغيير، قادرة على إنتاج برلمان يعكس إرادة شعبية واعية، لا إرادة مشوشة.
في عصر المزارع الرقمية وفقاعات المرشحين، يصبح قول الحقيقة عمل ثوري. والمطلوب اليوم ليس انتخاب وجوه جديدة بقدر ما هو انتخاب وعي جديد، يضع حد لزمن الخرافة السياسية ويفتح الطريق نحو زمن الحقائق، لأن الحقائق وحدها، مهما كانت قاسية، قادرة على بناء مستقبل عراقي أكثر صلابة وعدل.


