لعنة غرامات المرور في شوارع تحتضر بالعراق”؛ وقيمة الغرامات بلغت خمسمائة مليار دينار عراقي سنوياً

لعنة غرامات المرور في شوارع تحتضر بالعراق"؛ وقيمة الغرامات بلغت خمسمائة مليار دينار عراقي سنوياً
يعالج الواقع المروري العراقي كفوضى بنيوية تتضخم فيها الغرامات إلى خمسمائة مليار دينار سنوياً، فتتحول الأداة الرادعة إلى مورد مالي. يطالب المواطن ببنية تحتية ومواقف نظامية وتطبيق عادل للقانون، وانتقال من شرطة تحرير الغرامات إلى إدارة مرور تخطط وتنظّم فعلياً....

تُعدّ الغرامات المرورية في أغلب دول العالم وسيلةً لضبط النظام وحماية الأرواح، لا أداةً لجمع الأموال. فالقانون المروري وُضع لضمان انسيابية السير، والحد من الحوادث الناتجة عن السرعة المفرطة أو القيادة المتهوّرة، حفاظًا على حياة الإنسان، التي تبقى أغلى ما في الوجود. ومن هذا المنطلق، تُخصَّص في المدن المتقدمة مواقف نظامية للسيارات وكراجات عامة ومعارض منظمة، خاصة في الأسواق والمولات، بالتعاون مع الحكومات المحلية، لتأمين راحة المواطنين وتنظيم المدن.

الواقع المروري في العراق : بين فوضى التنظيم و استغلال القانون

لكن الواقع العراقي يسير في اتجاهٍ مغاير تمامًا. فالشوارع مكتظة بالمركبات، والمواقف العشوائية تحولت إلى مشهد يومي مألوف، والأسواق تمتد بلا تخطيط ولا تنظيم، وكأننا نعيش في زمنٍ غاب فيه النظام المدني، وتحولت المدن إلى فوضى مرورية خانقة.

وفي تصريحٍ لمديرية المرور العامة، بلغ مجموع الغرامات المفروضة ما يقارب 500 خمسمائة مليارات دينار عراقي، رقم يثير تساؤلات جادة: هل الغاية تطبيق القانون فعلاً أم تحويل الغرامات إلى مصدرٍ مالي؟ هذه المفارقة الخطيرة جعلت المواطن يشعر بأن الهدف لم يعد الانضباط المروري، بل تحصيل الأموال تحت لافتة القانون.

بين مطرقة الغرامات و سندان الإهمال الخدمي : المواطن يطالب بنظام يحترم كرامته و يُراعي واقعه 

المؤلم في المشهد أن المواطن البسيط، الذي اشترى سيارته لتكون وسيلة نقل لعائلته، يجد نفسه اليوم مضطرًا لإيقافها في أي مكان متاح، بسبب غياب الكراجات والمواقف النظامية، ثم يُفاجأ بوصل غرامة قد تصل إلى مئتي ألف دينار، من دون أن تراعي الجهات المعنية واقعه المعيشي الصعب أو محدودية دخله.

وبات رجل المرور، في كثير من الأحيان، الحاكم والمشرّع والمحاسب في آنٍ واحد، يفرض الغرامات تبعًا لقوانين كثيرة تشمل عدم ارتداء حزام الأمان، أو انتهاء صلاحية السنوية، أو وجود عطل بسيط في المركبة، حتى أضحى السائق بين مطرقة القوانين وسندان ضعف الخدمات.

المواطن لا يرفض القانون، بل يطالب بعدالة تطبيقه. يريد نظامًا مرورياً يحميه لا يُرهقه، ويحتاج إلى شوارع مؤهلة ومواقف متاحة، لا إلى غرامات تثقل كاهله كلما خرج لقضاء حاجة أسرته.

ويبقى السؤال الملحّ:

متى تدرك الجهات التشريعية والتنفيذية أن معالجة الفوضى المرورية لا تكون بمضاعفة الغرامات، بل بإنشاء بنية تحتية حقيقية، وتنظيم المواقف العامة، وسنّ قوانين تراعي البعد الإنساني والاقتصادي والاجتماعي للمواطن العراقي؟

إنّ العراق لا يحتاج إلى “شرطة مرور” تكتب الغرامات بقدر حاجته إلى “إدارة مرور” تعيد الحياة إلى شوارع تحتضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *