يشكّل الشباب العراقي اليوم العمود الفقري لمستقبل البلاد، غير أنّ الواقع الذي يعيشه الكثير منهم يعكس صورة مقلقة؛ فبعد متابعة الإحصائيات المتعلقة بالخريجين خلال العقدين الأخيرين، تبيّن أنّ نسبة المخرجات التعليمية من الجامعات والمعاهد بلغت ما يزيد على 20% من مجموع السكان الشباب، إلّا أنّ ما يقابلها من فرص عمل لا يزال ضئيلاً للغاية.
تشير تقارير ميدانية إلى أنّ معدل البطالة بين الخريجين يصل إلى حدود 74% سنوياً، أي أنّ ثلاثة من كل أربعة شباب يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل بعد التخرج، بينما يتمكّن 26% فقط من الالتحاق بوظائف، أغلبها في القطاع الحكومي المزدحم أصلاً. هذه الفجوة الواسعة بين مخرجات التعليم وسوق العمل أنتجت حالة من الإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل لدى فئة تعدّ الأكثر طاقة وإنتاجاً.
وهنا يطرح السؤال نفسه: متى تستطيع الدولة أن تستوعب هذه الطاقات الشابة عبر تبنّي مشاريع استراتيجية كبرى؟ ومتى تتحوّل الخطط النظرية إلى أفعال واقعية؟
إنّ إنشاء مصانع وطنية للإنتاج الاستهلاكي يُعدّ خياراً استراتيجياً لمعالجة أزمة البطالة؛ فمن الممكن بناء معامل متخصصة في صناعة السيارات والهواتف المحمولة والألبسة والمستلزمات الاحتياطية للسيارات، إضافة إلى الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، فضلاً عن مصانع المواد الإنشائية والحديد الصلب. إنّ مثل هذه المشاريع لا تساهم في استيعاب آلاف الأيدي العاملة الشابة فحسب؛ بل تفتح الباب أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
لكنّ الرؤية الأوسع تقتضي أن تكون الإعداديات الصناعية مرتبطة مباشرة بالمصانع الكبرى، بحيث يصبح الطالب الذي يدرس فيها جزءاً من تلك المنظومة الإنتاجية، فيتخرج وينخرط فوراً في العمل، بينما يُتاح للأوائل منهم مواصلة الدراسات العليا لنيل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في التخصصات الصناعية والهندسية والفنية. وبهذا يتحوّل التعليم إلى خط إنتاج حقيقي للخبرات والكفاءات.
كما أنّ الحاجة باتت ماسّة إلى مدارس متخصصة في التمريض والطب، بعد أن ازدحمت كليات الطب بسبب المعدلات العالية والتنافس الشديد، حتى غدت هذه المهنة أشبه بطبقة اجتماعية جديدة تجمع بين الثراء العلمي والمادي، فتنويع المسارات التعليمية وتخصيصها سيمنح فرصاً أوسع ويعيد التوازن إلى سوق العمل الصحي.
ومن جهة أخرى؛ متى تكون هنالك مؤسسات تابعة للدولة تستقطب الشباب الذين لم يكملوا دراستهم؟ ..
إنّ الحل يكمن في تحويل المصانع إلى مؤسسات تعليمية إنتاجية، لا تقتصر على التصنيع فحسب؛ بل تدمج التدريب بالعمل، وتسدّ حاجة البلاد من الاستيرادات التي تستنزف المال العام.
ولا بدّ من الالتفات إلى دور المرأة العراقية في ميدان العمل الصناعي، فكم من المصانع كانت تحتضن الأيدي النسوية الكادحة في النجف والكوفة، مثل مصنع الألبسة الرجالية، ومصنع الجلود، ومصنع المطاط، قبل أن تتعطل وتُطفأ أضواؤها. إنّ إعادة إحياء هذه المصانع وتوسيع التجربة لتشمل جميع المحافظات سيعيد تشكيل قوة عاملة نسوية ترفد الاقتصاد وتمنح العائلات مورداً ثابتاً.
إلى جانب الصناعة، يبقى القطاع الزراعي والحيواني منجماً مهمّاً للتنمية المستدامة. فالدواجن، وتربية الأبقار والأغنام والأسماك والنحل وسائر الثروة الحيوانية، تمكّن العراق من التحوّل إلى مصدّر للحوم والمنتجات الزراعية بدلاً من أن يكون مستورداً لها…. إنّ دراسة متكاملة للتنمية المستدامة تضمن أن يكون الريع والمنتج الوطني هو الممول الأساسي للمؤسسات الحكومية والمشاريع الاقتصادية الكبرى.
إنّ مستقبل الشباب في العراق لا ينبغي أن يبقى أسير الوعود والشعارات، بل يجب أن يتحوّل إلى خطط عملية ملموسة…. فاستثمار الطاقات الشبابية عبر تشغيلهم في مشاريع صناعية وزراعية منتجة هو الطريق الأمثل لبناء اقتصاد قوي ومستقبل مستقر، أمّا إذا ظلّت هذه الطاقات مهدورة بين المجهول وانتظار الوعود، فسوف تتبخّر الآمال كما تتبخر السراب في صحراء الانتظار.
