
مصادر سياسية مطلعة في بغداد إلى أن رسائل أمريكية وصلت مؤخراً إلى الحكومة العراقية…
تضمنت مطالب واضحة تقضي بمنع جميع الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلّحة من المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة…
وذلك في إطار سعي واشنطن إلى فرض معايير جديدة على العملية السياسية العراقية.
إعادة رسم خارطة الطريق السياسية
ومن هنا قد يتغير خارطة الطريق التي رسمت من الجهات الحزبية بتغيير خططها وبرمجيتها. فإخراج التسجيل الصوتي لبعض رؤساء الأحزاب السياسية لم يكن عبثاً، بل كان يحمل رسالة واضحة. غير أنّ حكمة بعض الأطراف السياسية أفشلت تلك المخططات، لذلك سنشهد في الفترة المقبلة محاولات متعددة لإفشال الانتخابات وتعطيلها بشتى الطرق. فالعديد من القوى الحزبية تدرك أن بقاء حكمها أصبح مهدداً، ولذلك تسعى إلى كسب الوقت وإطالة وجودها في السلطة. هذه القوى قد تلجأ إلى أعمال تخريبية أو تنظيم تظاهرات واسعة الهدف منها عرقلة العملية الانتخابية وإظهار الشارع وكأنه رافض للمسار الديمقراطي.
المخاوف الأمريكية من تنامي نفوذ الفصائل
هذه الرسائل التي حملت طابعاً ضاغطاً تعكس تصاعد المخاوف الأمريكية من تزايد نفوذ الفصائل المسلحة في المشهد العراقي، وما يشكله ذلك من تهديد لمبدأ التداول السلمي للسلطة، فضلاً عن انعكاسه على نزاهة الانتخابات وشفافيتها. فواشنطن ترى أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يُضعف العملية السياسية ويمنع أي إمكانية لبناء مؤسسات مستقرة قادرة على إدارة الدولة بعيداً عن ضغوط القوى المسلحة.
تزامن مع حراك دولي وإقليمي
الخطوة الأمريكية جاءت متزامنة مع حراك دولي وإقليمي واسع يركز على ضرورة إعادة ترتيب البيت الداخلي العراقي وتنظيم صفوفه وإعادة هيكليته بعيداً عن المحور الإيراني. هذا ما تراه الولايات المتحدة مدخلاً أساسياً لضمان استقلالية القرار العراقي. المؤشرات كافة تدل على أن الانتخابات المقبلة ستكون مفصلية في تحديد موازين القوى السياسية. ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى لضمان عدم وصول الأحزاب المسلحة إلى البرلمان مرة أخرى، خاصة بعد التجربة السابقة التي أثبتت عجز هذه القوى عن إدارة القرار السياسي والأمني، وما ترتب على ذلك من تعطيل للإصلاحات وخلق انقسامات حادة داخل البيت الشيعي. أما الكتل السنية والكردية فقد بقيت مواقفها أكثر ثباتاً وانسجاماً مع قواعدها السياسية.
احتمالية أزمة سياسية جديدة
في المقابل، فإن هذه الرسائل قد تفتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة. فالقوى الموالية لإيران، ولاسيما الإطار التنسيقي، من المتوقع أن ترفض هذا التوجه الأمريكي بشدة، معتبرة إياه تدخلاً سافراً في الشأن العراقي ومسّاً بالسيادة الوطنية. مثل هذا الموقف سيؤدي إلى تعميق الصراع بين القوى السياسية، ويضع الحكومة في موقف حرج بين ضغوط واشنطن من جهة ومتطلبات التوافق الداخلي من جهة أخرى.
الدعم الأمريكي مشروط بالاستجابة
مصادر دبلوماسية أكدت أن الرسائل الأمريكية لم تأتِ على شكل توصيات فحسب، بل حملت نبرة إنذارية واضحة. إذ ربطت واشنطن مستقبل الدعم الأمريكي للعراق، سواء في المجالات الأمنية أو الاقتصادية أو حتى في ملف إخراج القوات الأجنبية، بمدى التزام بغداد بهذا الشرط. الحكومة العراقية قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن صيغة وسطية تضمن تقليص نفوذ الأحزاب المسلحة دون الدخول في مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى انفجار داخلي.
انقسام الشارع العراقي
الشارع العراقي يتابع هذه التطورات بترقب وحذر. فهناك من يرى في الخطوة الأمريكية فرصة حقيقية لإنهاء هيمنة السلاح على السياسة وضمان انتخابات أكثر نزاهة وشفافية، بينما يعتبر آخرون أنها محاولة لفرض الوصاية الأمريكية على القرار الوطني. هذا الانقسام الشعبي يزيد المشهد تعقيداً، إذ يمكن أن يتحول إلى صراع بين معسكرين: معسكر يطالب بدولة مدنية قوية، وآخر يرفض أي تدخل خارجي مهما كان شكله.
مستقبل غامض وتحديات كبرى
مع كل هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالتجاذبات والتحديات السياسية. مستقبل العراق بعد الانتخابات سيعتمد إلى حد كبير على قدرة القوى السياسية على تجاوز الضغوط الخارجية، وفي الوقت نفسه ضبط التوازن الداخلي. فالفشل في إدارة هذه المرحلة قد يقود البلاد إلى أزمة سياسية عميقة، بينما النجاح في استثمار هذه الضغوط قد يفتح باباً لبناء تجربة سياسية أكثر تماسكاً وإقناعاً للشارع العراقي.
وبذلك تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التجاذبات السياسية التي قد تحدد ملامح مستقبل العراق بعد الانتخابات.


