استراتيجية الخلود

استراتيجية الخلود
التجربة التاريخية تُظهر أن اغتيال القادة لا يقضي على الأفكار؛ بل قد يحول الشخص إلى رمزٍ يُعزّز الذاكرة الجمعية ويقوّي المسار السياسي والاجتماعي للحركة، ما يقتضي تقييم آثار الاغتيالات سياسياً واجتماعياً....

مرةً أخرى، تخطئ إسرائيل في حساباتها التاريخية. فمنذ عقود وهي تراهن على أن اغتيال القادة سيُسقط الفكرة ويُنهك المشروع. غير أنّ الوقائع أثبتت عكس ذلك. فقد اغتالت إسرائيل السيد عباس الموسوي (الذي اغتالته بعملية جوية مركّزة في جنوب لبنان عام 1992 بصاروخ استهدف موكبه فقتله مع زوجته وطفله)، وكانت تعتقد أن غيابه سيقضي على بنية حزب الله. لكن الحزب، بقيادة جديدة، لم يضعف بل تحوّل إلى قوة إقليمية يصعب تجاوزها.

وبالمثل، اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين (الذي استهدفته طائرة أباتشي بصواريخ وهو خارج من صلاة الفجر في غزة عام 2004)، على أمل أن تضعف حركة حماس وتنطفئ جذوتها. إلا أنّ ما جرى لاحقاً كشف سوء تقديرها؛ فبعد نحو عقدين، أطلقت الحركة عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ففاجأت إسرائيل والعالم وأعادت ترتيب معادلات القوة في المنطقة.

اليوم يتكرّر الدرس ذاته مع السيد حسن نصر الله. لم يُسقطه التناحر الداخلي، ولم تفتك به الحروب الأهلية أو التفجيرات مجهولة الهوية، بل اغتيل في عملية عالية السرية، مكلفة، استُخدم فيها مستوى تخطيط وتعاون استخباري إقليمي ودولي غير مسبوق.

هذا الاغتيال، الذي أرادته إسرائيل ضربة قاضية، تحوّل إلى وقود جديد في أسطورة رجاستراتيجية الخلودلٍ أصبح أيقونة استشهادية أخلاقية. إنّ استشهاد نصر الله لم ينهِ مسيرته، بل رفعه إلى مرتبة تتجاوز أعمار قاتليه أنفسهم.

إنّ ما تجهله إسرائيل – أو ترفض الاعتراف به – أنّ الأفكار لا تُقتل مع أصحابها، بل تُورّث وتتعاظم. فاغتيال القادة قد يغيّر الوجوه، لكنه لا يقتلع الجذور. على العكس، كل عملية اغتيال تحوّل الدم إلى رمز، والشخص إلى ذاكرة جمعية، والقائد إلى استراتيجية خلود تسكن الوعي الشعبي جيلاً بعد جيل.

إنّ من باءوا بالعار والذل هم أولئك الذين ظنّوا أن الرصاصة قادرة على محو الفكرة. لكن التاريخ يحكم بميزانه الخاص: الفكرة حين تصير دمًا وذاكرة، تعيش أطول من كل الذين أرادوا قتلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *