المقدمة:
تُثار بين الحين والآخر تساؤلات حول جدوى الانتخابات في العراق، وهل هي فعلًا ممارسة ديمقراطية حقيقية أم مجرد صورة شكلية تعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الأحزاب. مثل هذه الطروحات تبدو قاسية، لكنها تحمل في داخلها شحنة يأس أكثر مما تحمل من قدرة على الإصلاح. فالنقد إن لم يقترن بالبديل الواقعي، يتحول إلى عامل إحباط لا إلى أداة وعي.
هل الانتخابات مجرد واجهة شكلية؟
صحيح أن النظام الانتخابي يعاني من أزمات، مثل سطوة المال السياسي وتأثير السلاح والفساد الإداري، لكن تصوير الانتخابات كواجهة شكلية فقط يتجاهل حقيقة أساسية: إن البرلمان يتغير جزئيًا في كل دورة، وتدخل قوى جديدة وتخرج أخرى. قد يكون التغيير بطيئًا، لكنه موجود، وهو دليل أن النظام ليس مغلقًا تمامًا كما يُصوَّر.
هل المناصب محجوزة مسبقًا لنفس الزعامات؟
القول إن المناصب كلها محجوزة مسبقًا يتجاهل حقيقة الصراعات الداخلية داخل كل مكوّن: شيعي–شيعي، سني–سني، كردي–كردي. فالمنافسة على رئاسة الوزراء أو رئاسة البرلمان أو رئاسة الجمهورية لم تُحسم دائمًا لشخص واحد أو حزب واحد، بل شهدت تنازلات وانقسامات وتسويات معقدة. وهذا يعني أن المشهد ليس محكمًا كما يُقال، بل تتحكم فيه موازين قوى متغيرة.
هل الخطاب الطائفي مجرد وسيلة لتثبيت السلطة؟
الخطاب الطائفي يُستخدم بالفعل أحيانًا كأداة انتخابية، لكن الواقع أثبت أن الجمهور العراقي بدأ يُظهر مقاومة متزايدة له. نسب المشاركة المتدنية، وصعود بعض القوائم العابرة للطوائف، كلها مؤشرات أن الناس لم تعد تستجيب كما في السابق. إذن، القول إنه “سلاح مضمون” لم يعد دقيقًا، بل هو في تراجع بفعل وعي الشارع.
هل حصّة الشعب لا تتغير: لا كهرباء، لا ماء، لا صحة؟
هذه معضلة حقيقية، لكن لا يمكن إنكار وجود تحسن نسبي في بعض الملفات: مشاريع إسكان، زيادة إيرادات، تحسن في بعض البنى التحتية. قد لا تكون كافية أمام حجم التحديات، لكنها تنقض القول إن الوضع ثابت تمامًا. الإصلاح تدريجي ومعرقل، لكنه ليس معدومًا.
أين البديل إذن؟
البديل لا يُصنع باليأس أو بالانسحاب من الانتخابات، بل عبر :
- بناء قوى سياسية معارضة حقيقية من داخل الكتل البرلمانية القادرة على تشكيل توازن جديد.
- إصلاح النظام الانتخابي (إشراف قضائي، شفافية إلكترونية، تقييد المال السياسي).
- رفع وعي الناخب بأن صوته قد يغير الموازين تدريجيًا، خاصة إذا اتجه نحو الكتل الاصلاحية لا الزعامات التقليدية.
الخاتمة :
إن الانتخابات في العراق ليست مثالية، لكنها ليست “خدعة مطلقة” أيضًا. تصويرها كواجهة فارغة ينشر اليأس أكثر مما يساهم في الإصلاح، ويغلق الباب أمام أي إمكانية للتغيير التدريجي. والوعي الحقيقي لا يُبنى بالنقد فقط، بل بتقديم بدائل عملية داخل البرلمان وخارجه. فالطريق شاق، لكنه مفتوح، والانتقال من المحاصصة إلى التمثيل الوطني يحتاج إلى عمل مستمر، لا إلى انسحاب كامل من العملية السياسية .


