تنتظم العلاقات الدولية في متغيرات تجمع في مدخلات المصالح وإدارتها في التوصل إلى أفضل المخرجات التي تضمن استراتيجيات الدول المستقبلية، حينما يتجاوز نطاق المصالح حدود الدولة يتحول إلى سياسات أممية توظف كل الممكنات لتحقيق المصالح الوطنية.
هكذا تطفو قمة جبل الجليد من وقائع متغيرات المشاريع المستقبلية، منها المشروع الأمريكي للقرن الحادي والعشرين الذي بدأ في غزو العراق، لإعادة فرض سيطرة الأخوات السبع “كبريات شركات النفط الأمريكية والأوروبية” على مصادر الطاقة، ومع تراكم الفشل بسبب الأدوار التي لعبتها إيران بتحريض روسي صيني واضح، ليس في العراق وحده في مجمل المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط الذي أرادته جديدا، انتهت إلى إصدار نموذج الرئيس ترامب في نسختيه الأولى والثانية، لتكون هناك إعادة تصحيح لمشروعها في القرن الحادي والعشرين.
وللإجابة على سؤال كيف ولماذا؟ لابد من توضيح أن الرئيس ريغان وصف خط أنابيب النفط والغاز السوفيتي باتجاه القارة الأوروبية العجوز بأنه أسوأ قرار استراتيجي اتخذته الدول الأوروبية، بل أن مجلة نيوزويك في حينها أصدرت تحقيقًا في صورة غلاف تحت عنوان “أفول أوروبا”، كما كان كتاب زبنيغو بريجنسكي (بين عصرين) عن التحول من الردع النووي إلى “النيترو-الإلكتروني” مبشرًا بعصر الذكاء الصناعي قبل أربعة عقود. كانت سياسات العالم ما بعد سقوط جدار برلين تعمل على تفادي دخول النمر الأمريكي الهائج في دولها كما فعل العراق بعد حرب الكويت، أو التجربة الأفغانية، بل أن كتاب صدام الحضارات لصاموئيل هنتنغتون كان ترويجًا لأفكار مدارس الكنائس المسيحية الصهيونية التي توسعت أفقيًا في الولايات المتحدة، لتؤكد أن مدارس الاقتصاد الدولي في جامعات فرانكفورت الألمانية ومدرسة لندن الاقتصادية وجامعة سان فرانسيسكو الأمريكية، كانت تنتج قيادات الشركات متعددة الجنسيات وعلى خط مواز إنتاج قيادات سياسية مثل الرئيس بوش الأب، ومارغريت تاتشر رئيس وزراء بريطانيا، وأنجيلا ميركل المستشارة الألمانية، ناهيك عن مجموعة كبيرة من المدراء التنفيذيين لهذه الشركات الذين يصلون إلى مواقع قيادية في الدول الأوروبية والإدارة الأمريكية.
كل ذلك لأن هذه الشركات النفطية الكبرى قد اكتشفت البديل عن خط “نورد ستيرم” من خلال الاستثمار المستقبلي في حقول شرق المتوسط، وجمعها مع نفط وغاز الشرق الأوسط. هذا الموضوع طرح منذ السنوات الأولى لاحتلال العراق ما بعد 2003 وحتى اليوم. وفق خارطة أنابيب “الدم والحروب”، ظهر الرئيس ترامب في أول تكوين للأمميين الجدد، بذات أسلوب المستعمرين الأوروبيين للقارة الأمريكية، وهم يقولون لزعماء “الهنود الحمر” بأنهم سينقلونهم من أراضيهم إلى مستعمرات أخرى فقط لكي تحصل شركات “الرجل الأبيض” على النفط أو الذهب والفضة أو إنشاء مدن جديدة أو تسهيل مرور الموارد من بضائع عبر مد سكك حديد. فجاءت مقولة الرئيس ترامب بأنه يريد أن تكون غزة “ريفيرا الشرق الأوسط”، وهي الأقرب لميناء “اشدود الإسرائيلي” الذي استثمرت فيه الصين أكثر من غيرها في إنتاج أرصفة تصدير النفط والغاز إلى قبرص ومنها إلى اليونان، فباقي الدول الأوروبية بديلًا عن النفط والغاز الروسي أو منافس له على أقل تقدير.
ولأن روسيا الاتحادية لم تكن مستعدة لخسارة تلك الأموال التي دفعت لشراء حقوق استخراج النفط والغاز في دول آسيا الوسطى التي انفصلت بعد تحطم الاتحاد السوفيتي، قامت بالاستعداد لتدوير تصدير النفط باتجاه الصين والهند ودول جنوب شرقي آسيا، من خلال الانفتاح الصيني في مشروعها طريق الحرير الجديد. هكذا لم تكن أمريكا لوحدها من تريد فرض نموذجها الأممي الجديد في مشروع القرن الحادي والعشرين، بل استطاعت الصين وروسيا الاتحادية فرض استراتيجية كسب الوقت بسياسات الإلهاء في حروب الشرق الأوسط ثم الحرب الأوكرانية ومناورات حرب اقتصادية لتفرض من جديد نموذجًا آخر للأممية الجديدة، ممثلًا ميول القياصرة الروس والتنين الصيني والأفيال الهندية. هكذا ظهرت خطوط مواصلات جديدة تحت قبة المحيط المنجمد الشمالي تعزز طريق الحرير وتربط بين المنتجات الصينية والهندية تجاه الأسواق الأوروبية، وهي تنقل أغلب البضائع الآسيوية إلى المستهلك الأوروبي.
الأممية الأوروبية الجديدة ونموذج الردع الذاتي
كل ذلك جعل الاتحاد الأوروبي يفكر بأن تكون له “أممية جديدة”، تعيد تعريف الاعتماد على الذات في الردع النووي وحماية مصالحها الاقتصادية، مقابل النموذج الترامبي للأممية الأمريكية الجديدة بأن من يحتاج حماية الأساطيل عليه أن يدفع الأثمان المطلوبة اقتصاديًا، فظهرت ميول نحو تحديث الناتو وإعادة الاعتماد على الردع النووي الأوروبي بعد إلغاء اتفاقات “ستارت-2” للحد من الصواريخ الناقلة للرؤوس النووية قصيرة المدى مقابل إنشاء خط نوردستيم، تواجه اليوم ازدواجية واضحة ما بين طموحات القياصرة في أمميتهم الجديدة وبين ضغوط الأممية الأمريكية الجديدة أيضًا.
ما بين هذا وذاك يبرز السؤال: كيف تتعامل الدول العربية والإسلامية مع هذه الأممية الجديدة؟ واقع الحال أن ثمة بوادر “يالطا” جديدة، ليس بين منتصرين في حرب عالمية أولى وثانية سفكت الدماء، بل حرب عالمية ثالثة، تمسك برقبة العالم اقتصاديًا. في هذه الحرب ليس هناك خاسرون ومنتصرون إلا بقدر تلك الإمكانات المتاحة للتأثير المباشر على إدارة الاقتصاد الدولي، حتى وإن تغيرت معالم سياساته، حيث تسعى الأممية الأمريكية إلى بقاء الدولار العملة الدولية المهيمنة بقوة الأساطيل وليس رؤوس الأموال، مقابل “شراكات جديدة” يمكن التفاهم عليها على طاولة أقرب إلى تحليل أصحاب المصالح، ما بين مشاركين أو متعاونين، وشتان بين كلا النموذجين.
لن تكون “يالطا” المنتظرة إلا بعد الانتهاء من نموذج الحروب بالوكالة، لا سيما وأن واقع الشرق الأوسط اليوم يعيش نموذج ما بعد تطبيق اتفاقية سايكس بيكو. بدلاً من فرنسا وبريطانيا لدينا نموذج جديد للأممية “المسيحية الصهيونية”، ما نتج عنها من إدارة سياسات في الولايات المتحدة تقوم إسرائيل بتطبيقها، مرة لأنها “صغيرة الحجم” كما قال ترامب، أو البحث عن فرضيات “إسرائيل الكبرى” كما يقول نتنياهو، على الرغم من كل مظاهر التضاد أو التضارب بينهما، وقصف الدوحة مؤخرًا مثال واقعي، عليه استعادت دول الخليج العربية ذات النموذج الذي قاموا به في الثورة العربية الكبرى، ظهر مشروع نيونيم السعودي في رؤية 2030 والاتفاقات الإبراهيمية معززة بالاتفاق العسكري مع القوة النووية الباكستانية، كبطاقات للركوب في قطار مقبل بعاصفة التسويات بين أصحاب المصالح من الأمميين الجدد.
التحديات المستقبلية وحسم الاختلافات الإقليمية
وفق هذه المدخلات، تبحث واشنطن وبقية الأمميين الجدد عن نموذج “وتسفاليا” ما بين أمراء القرون الوسطى في أوروبا، للتسويات في معضلات الشرق الأوسط، ومنها نموذج “حل الدولتين” بأي شكل كان. حصول ذلك يتطلب أثمانًا باهظة عربياً وإسلامياً، لكن عقدة المنشار في تحليل المصالح المقبلة تقف عند إيران، حيث ما زالت “الثورة” غير قادرة على دفع “الدولة” لحجز تذكرة الركوب في القطار المقبل مقابل الملف النووي، مما يرجح حسم الاختلافات عسكريًا. وكما يقول الجنرال البلروسي كلاتوفيتز، ستظهر ذات الأهداف التي لم يحققها السياسي بالمفاوضات مرة أخرى على ذات الطاولة بعد صمت المدافع!
معضلة عدم فهم تداعيات مصالح “الأمميين الجدد” من أي أطراف عربية أو إسلامية، بانتظار أن يتحقق لهم من خلال نماذج بازغة مثل الصين وطريق حريرها أو القياصرة الروس الجدد، عليهم معرفة أن كل هؤلاء يقدمون مصالحهم على طاولة المفاوضات كشركاء “مصالح” في رسم سياسات عالمية جديدة، ولا يقدمون مصالح غيرهم حتى وإن كانوا من أفضل المتعاونين. السؤال: ما الحلول التي يمكن أن تطرح بما يترك للمتعاونين والمعارضين على طاولة إعادة تكوين عالم الأمميين الجدد؟
تلكم قضية أخرى في مقال مقبل.


