برامج مثيرة للجدل وفقدان الثقة
خاصة مع تكرار البرامج التي تعتمد على استضافة ضيوف يدخلون في سجالات وصراعات كلامية، تزرع الطائفية والانقسام الحزبي بين المشاهدين. هذه البرامج لم تعد تقدم أي قيمة معرفية أو ثقافية، بل تحولت إلى مسرح للمشاحنات وإطلاق الاتهامات، مما يجعل المتلقي يفقد الثقة بمصداقية تلك القنوات ويضع علامات استفهام كبيرة حول نواياها ورسالتها الإعلامية. المشاهد اليوم يريد مادة إعلامية هادفة تبني وعيه، لا جدالات عقيمة تُستهلك من أجل الإثارة. بل إن بعض القنوات أصبحت تعتمد على الإثارة المتعمدة كوسيلة لرفع نسب المشاهدة حتى لو كان الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي.
الإعلام رسالة لا أداة للفتنة
إن الإعلام في جوهره رسالة توعوية هدفها إيصال الفكرة الصائبة للمجتمع وبناء وعي جمعي إيجابي، وليس إثارة الفتن والانقسامات. ومن هنا تأتي أهمية وجود رقابة مهنية مسؤولة على عمل القنوات الفضائية حتى لا تتحول إلى منصات للجدل العقيم. الإعلام الحقيقي يجب أن يكون جسراً بين المواطن وصانع القرار، يطرح مشكلات الناس بموضوعية ويبحث عن الحلول، لا أن يثير الانقسامات ويغذي الكراهية.
تأثير الخطاب الإعلامي على سلوكيات الناس
ما يطرحه الإعلام ينتقل بشكل مباشر إلى عقول الناس وينعكس على سلوكياتهم. فإذا كان الخطاب سلبياً، فإنه سينشر الإحباط والانقسام، أما إذا كان إيجابياً فسيساهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز وحدة المجتمع. لقد أثبتت التجارب أن البرامج الهادفة قادرة على إعادة الأمل وصناعة وعي جمعي مسؤول، بينما تساهم البرامج الهابطة في تكريس حالة التشرذم. المتابع اليوم يواجه سيلاً من المحتوى الذي يبتعد عن جوهر الإعلام ويتحول إلى ساحة خصام واستفزاز بدلاً من أن يكون منبراً للحوار البنّاء. ولهذا فإن المواطن أصبح أكثر وعياً في فرز القنوات ومعرفة من يعمل لمصلحته ومن يسعى وراء مصالح حزبية ضيقة.
انعكاسات المحتوى الهابط على صورة الإعلام
هذا المحتوى الهابط لا يسيء فقط إلى سمعة القنوات التي تبثه، وإنما ينعكس على صورة الإعلام العراقي عموماً في أعين الجمهور المحلي والدولي. فالمتلقي الذي يبحث عن المعلومة الصادقة يجد نفسه أمام صراعات مفتعلة لا تقدم رؤية ولا تطرح حلاً، وإنما تزيد الانقسام وتزرع الفتنة. كما أن القنوات التي تلهث وراء الإثارة على حساب المصداقية تفقد احترام الجمهور على المدى الطويل، وتضعف الثقة بالمنظومة الإعلامية برمتها، ما يفتح المجال أمام الإعلام الخارجي لملء الفراغ وتشكيل الرأي العام العراقي.
الإعلام بين السباق على المشاهدة والمسؤولية المهنية
على القنوات نفسها أن تدرك أن السباق نحو رفع نسب المشاهدة لا يكون على حساب القيم أو استقرار المجتمع. فالإعلام القوي ليس الذي يرفع نسب المتابعة عبر إثارة الجدل فقط، بل الذي يقدم محتوى رصيناً يبني الثقة مع جمهوره. البرامج التثقيفية، والحوارات الهادئة، والتحقيقات الميدانية الجادة، كلها نماذج لإعلام مسؤول يوازن بين الجاذبية والمهنية. أما البحث عن الإثارة الفارغة فإنه يحقق مشاهدات وقتية، لكنه على المدى البعيد يدمّر سمعة المؤسسة الإعلامية ويضعها في خانة “الإعلام المأجور”.
نحو إصلاح الخطاب الإعلامي
إصلاح هذا الواقع يتطلب إرادة مهنية حقيقية تضع مصلحة المجتمع فوق المصالح الحزبية والشخصية. لا بد من تفعيل دور الهيئات الرقابية الرسمية، وإعطاء نقابات الإعلاميين سلطات أوسع لمحاسبة المؤسسات المخالفة. كما أن على الصحفيين أنفسهم أن يتحملوا مسؤولية مضاعفة، فيلتزموا بمواثيق الشرف الإعلامي ويقاوموا الضغوط التي تحاول تحويلهم إلى أدوات للتشويه. الإعلام الحر والنزيه هو الذي يدافع عن المجتمع ويكشف الفساد ويمنح الناس صوتاً حقيقياً، وهو الذي يعزز الهوية الوطنية ويحافظ على السلم الأهلي بعيداً عن الاستقطاب.
الإعلام الحقيقي صورة المجتمع
فالاعلام الحقيقي هو الصورة الواضحة للمجتمع لا الصورة الضبابية ..
التي ينقلها عن طريق مسوقين لايمتلكون المهنة الحقيقة للاعلام…



