الكونغرس كفاعل استراتيجي في هندسة القرار العسكري: إشكالية التفويض الرئاسي وحدود شرعية الضربات الاستباقية في عهد ترامب

الكونغرس كفاعل استراتيجي في هندسة القرار العسكري إشكالية التفويض الرئاسي وحدود شرعية الضربات الاستباقية في عهد ترامب
يتناول النص تصاعد أزمة التوازن الدستوري في الولايات المتحدة مع توسع صلاحيات الرئاسة في الحرب ضد إيران دون تفويض برلماني، وسط جمود تشريعي أضعف الرقابة الديمقراطية وعمّق التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية، مهدداً مكانة المؤسسات الدستورية الأمريكية واستقرار النظام الجمهوري...

مقدمة

يُمثل التفاعل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة حول صلاحيات الحرب حجر الزاوية في توازن القوى الدستوري، وهو صراع وصفه الفقهاء القانونيون بأنه (دعوة للصراع) الدائم حول رسم مسارات السياسة الخارجية والتدخل العسكري، وفي سياق عام 2026 وتحديداً مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران برز الكونغرس ليس فقط كجهة تشريعية بل كفاعل استراتيجي يمارس أدواراً معقدة تتراوح بين الرقابة والامتناع المتعمد عن الفعل، إن المشهد الراهن الذي يتميز بشن القوات الأمريكية ضربات استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية منذ يونيو 2025 دون تفويض برلماني صريح وجديد، يعكس أزمة عميقة في جوهر النظام السياسي الأمريكي .

لقد سعى المشرعون الديمقراطيون جاهدين لتقييد قدرة الإدارة على الانخراط في حرب مفتوحة مستندين إلى (قانون صلاحيات الحرب) لعام 1973، إلا أن الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ نجحت للمرة الرابعة على التوالي في أبريل 2026، في عرقلة أي مشروع قانون يفرض قيوداً زمنية أو قانونية على تحركات الرئيس دونالد ترامب، هذا الفشل في فرض وجوب الحصول على تفويض جديد (AUMF) ليس مجرد عجز تشريعي بل هو تكتيك استراتيجي يسمح للكونغرس بممارسة ما يسمى بـ (إدارة المسرح) وهي آلية تتيح للمشرعين الحفاظ على خيار القوة قائماً كأداة ردع مع نقل كافة المخاطر السياسية والعسكرية إلى عاتق الرئاسة وحدها في حال تعثرت العمليات الميدانية .

إن غياب التوافق البرلماني على مأسسة الحرب الاستباقية يضع الولايات المتحدة أمام معضلة دستورية وتحديات اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة، حيث يتم استبدال الأطر القانونية الواضحة بتقديرات مبنية على (الحدس والرغبات) مما يهدد المصالح الوطنية الأمريكية على المدى الطويل ويفتح الباب أمام (رئاسة إمبريالية) تتجاوز الحدود التقليدية التي وضعها الآباء المؤسسون للجمهورية الأمريكية .

وسنقوم في هذا السياق باستعراض ملامح هذا التفاعل المعقد من خلال المحاور التحليلية التالية :

أولاً: سياق المواجهة في عام 2026 والجمود التشريعي المحتدم 

دخلت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية مرحلة قانونية وسياسية حاسمة في أبريل 2026 مع اقتراب انتهاء مهلة الستين يوماً التي يحددها (قانون صلاحيات الحرب) لعام 1973، بدأت هذه الدورة من التصعيد عندما أمر الرئيس دونالد ترامب بشن غارات جوية وبحرية مكثفة على منشآت نووية حيوية داخل إيران في يونيو 2025 مبرراً ذلك بوجود (تهديد وشيك) للأمن القومي الأمريكي وحلفاء واشنطن في المنطقة، ومنذ ذلك الحين شهدت أروقة الكونغرس سجالاً محتدماً حول شرعية هذه العمليات وغياب التفويض البرلماني الصريح لها .

لقد تجلى الجمود التشريعي في رفض مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون للمرة الرابعة خلال عام 2026، مشروع قانون قدمه الديمقراطيون يهدف إلى إلزام الرئيس بسحب القوات من أي أعمال عدائية ضد طهران ما لم يحصل على تفويض محدد، وجاءت نتائج التصويت الأخيرة في 15 أبريل 2026 بنسبة 52 صوتاً مقابل 47 مما يعكس تماسك الكتلة الجمهورية في دعمها لصلاحيات الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويرى الجمهوريون أن تقييد يد الرئيس في هذه اللحظة التاريخية يبعث برسائل ضعف للجانب الإيراني ويقوض استراتيجية (الضغوط القصوى) التي تتبناها الإدارة .

هذا الانقسام الحاد جعل الكونغرس فاعلاً (سلبياً) من حيث العجز عن التشريع لكنه (إيجابي) من حيث إدارة توازن القوى فالجمهوريون، برفضهم التقييد يمنحون ترامب (شيكاً على بياض) عسكرياً، لكنهم في الوقت ذاته يتجنبون مسؤولية التصويت الصريح لصالح حرب قد لا تحظى بشعبية واسعة في الشارع الأمريكي خاصة مع تزايد المخاوف من تكلفتها البشرية والاقتصادية، إن هذا الفشل في فرض التفويض يعني أن العمليات العسكرية أصبحت تُدار كأمر واقع مما يفرغ (سلطة إعلان الحرب) من محتواها التاريخي والدستوري .

ثانياً: معضلة (الحرب الاستباقية) والتآكل القانوني لمبدئها 

تستند إدارة ترامب في تحركاتها العسكرية ضد إيران إلى مفهوم (الحرب الاستباقية) أو (الدفاع الاستباقي عن النفس) وهي عقيدة تثير إشكالات قانونية عميقة في الفقه الدستوري الأمريكي، فبينما يمنح الدستور الرئيس سلطة صد الهجمات (المفاجئة) إلا أن شن هجمات واسعة النطاق على دولة سيادية دون وقوع هجوم فعلي أو دليل قاطع على هجوم وشيك مادي يعد خروجاً عن التقاليد القانونية التي استقرت لقرون .

إن الإشكالية تكمن في تعريف (التهديد الوشيك) فالإدارة تروج لسبب استراتيجي يتمثل في منع طهران من امتلاك سلاح نووي وهو مبرر يتوافق مع الرؤية السياسية للأمن القومي لكنه يفتقر إلى السند في القانون الدولي والدستوري كذريعة لشن حرب هجومية، ويشير المحللون القانونيون إلى أن الاعتماد على (الحدس) وتقديرات استخباراتية غير معلنة بالكامل بدلاً من التقديرات الاستراتيجية الدقيقة قد دفع الولايات المتحدة إلى حافة ما يوصف بـ (الهزيمة الاستراتيجية المذلة) .

علاوة على ذلك فإن فشل الكونغرس في إلزام الإدارة بتقديم أدلة مادية قاطعة على (وشوك) الهجمات الإيرانية أدى إلى تآكل المعايير القانونية التي تحكم اللجوء للقوة، إن غياب التفويض يعني أن القوات الأمريكية تعمل في (منطقة رمادية) حيث يتم تجاوز (قانون صلاحيات الحرب) الذي صُمم أصلاً لمنع الرؤساء من توريط الأمة في صراعات طويلة الأمد، هذا الفشل التشريعي لم يحرم الرئيس من القوة بل منحه قوة غير مقيدة وغير خاضعة للمساءلة مما يهدد بنية النظام الديمقراطي القائم على الفصل بين السلطات، ويحول الاستثناءات القانونية إلى قواعد دائمة للتحرك العسكري المنفرد .

ثالثاً: الكونغرس واستراتيجية (إدارة المسرح) السياسية 

من منظور التحليل الاستراتيجي يمكن فهم سلوك قادة الكونغرس من خلال نموذج (إدارة المسرح – (Stage Management  هذا النموذج يشير إلى أن المشرعين لديهم حافز استراتيجي لتجنب تحمل المسؤولية السياسية عن الصراعات العسكرية الكبرى، ويفضلون بدلاً من ذلك إنشاء (عقود قصيرة الأجل) أو ترتيبات سياسية تنقل عبء المخاطر إلى الرئيس، إن فشل الديمقراطيين في كسر هذا النمط أدى إلى بقاء قرار الحرب والسلم بيد البيت الأبيض وحده وهو ما يخدم مصالح المشرعين الذين يخشون (الانتحار السياسي) المرتبط بالتصويت لصالح حرب غير مضمونة النتائج .

كما يلاحظ إن ترك الرئيس يتصرف بمفرده يسمح للمشرعين الجمهوريين بانتقاده إذا فشل أو مشاركته الفضل إذا نجح وهي استراتيجية تهدف إلى تقليل التداعيات الانتخابية المرتبطة بالمواجهة العسكرية، ولكن هذا الهروب من المسؤولية التشريعية يعزز ما يصفه الخبراء بـ (وصفة للغطرسة وردود الفعل المفرطة) حيث يشعر الرئيس بأنه (قائد إمبراطوري) لا يحده سوى قدرة الجيش على التنفيذ، ونتيجة لذلك تراجعت أهمية اللجان المتخصصة مثل لجنة العلاقات الخارجية وتحولت قاعات الكونغرس من منصات لصنع السياسة إلى مسارح للخطابة السياسية والولاء الحزبي .

هذا التحول في دور الكونغرس كفاعل استراتيجي (مدير للمخاطر) بدلاً من (صانع للقرار) أدى إلى غياب النقاش الوطني الشفاف حول كلفة الحرب وجدواها الاستراتيجية، فالجمهور الأمريكي الذي يعارض 60% منه هذه الهجمات وفقاً لاستطلاعات الرأي في مارس 2026 يجد نفسه مستبعداً من عملية صنع القرار بسبب الجمود البرلماني، إن الفشل في فرض وجوب التفويض هو في جوهره تنازل طوعي من المشرعين عن سلطتهم السيادية مقابل الأمان السياسي المؤقت مما يضعف هيبة المؤسسة التشريعية أمام تغول السلطة التنفيذية .

رابعاً: التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للارتباك التشريعي 

لم تقتصر تداعيات الفشل في تأمين تفويض عسكري مدروس ومأسس على الجوانب القانونية والدستورية بل امتدت لتحدث هزات عنيفة في الاقتصاد العالمي والموقع الاستراتيجي للولايات المتحدة، ومن أبرز هذه التداعيات تعاظم نفوذ إيران على الاقتصاد العالمي كنوع من رد الفعل على الضربات الأمريكية الاستباقية حيث وظفت طهران مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية كورقة ضغط استراتيجية رفعت أسعار البنزين وأربكت الأسواق المالية الدولية .

لقد أدى غياب (الخطة البرلمانية) المرافقة للتفويض العسكري إلى غياب الرؤية الاقتصادية للتعامل مع ردود الفعل الإيرانية المحتملة، اذ إن الولايات المتحدة، بقيادة ترامب انتقلت بسرعة من التهديدات القصوى إلى خطوات ميدانية محدودة النتائج دون وجود استراتيجية خروج واضحة أو غطاء تشريعي يضمن استدامة التحرك، هذا الارتباك الناتج عن غياب التوافق بين السلطتين أظهر واشنطن كقوة تتصرف بناءً على رغبات شخصية للقيادة التنفيذية بدلاً من إرادة وطنية موحدة يمثلها الكونغرس، مما أدى إلى تراجع هيبة الولايات المتحدة عالمياً أمام قوى دولية منافسة تراقب هذا التخبط .

علاوة على ذلك فإن غياب الشفافية والمحاسبة دفع جهات مدنية وأعضاء في الكونغرس لرفع دعاوى قضائية لإجبار الإدارة على تقديم تقارير دورية حول سير العمليات، فامتناع ترامب عن تقديم (تقرير صلاحيات الحرب) المطلوب قانونياً وتستره خلف سرية المعلومات، جعل من الصعب تقييم التكلفة الحقيقية للحرب التي استنزفت مئات المليارات من الدولارات، هذا الغموض لا يضر فقط بالعملية الديمقراطية بل يهدد المصالح الوطنية على المدى الطويل حيث يفتقر الالتزام العسكري إلى الدعم الشعبي والبرلماني الضروري للنجاح الاستراتيجي المستدام .

خامساً: الرئاسة الإمبريالية وتآكل (سلطة المال) والرقابة 

وصل توسع سلطات البيت الأبيض في عام 2026 إلى مستويات غير مسبوقة حيث تنازل الكونغرس فعلياً عن أقوى أدواته الدستورية: (سلطة المال) و(سلطة إعلان الحرب)، إن فشل المشرعين في استخدام الميزانية كأداة لتقييد العمليات العسكرية الاستباقية سمح للإدارة بتمويل الحرب عبر إجراءات استثنائية وأوامر تنفيذية تجاوزت إرادة البرلمان، وقد تجلى هذا التآكل في سخرية ترامب العلنية من ضرورة العودة للكونغرس لتغيير هيكلية وكالات حكومية أو حتى تغيير مسميات وزارية مما يعكس تحول المؤسسة التشريعية إلى مجرد (ختم مطاطي) لقرارات الرئيس .

لقد أصدر ترامب في عامه الأول مئات الأوامر التنفيذية التي استهدفت إلغاء سياسات سابقة ووكالات فيدرالية، بينما شهد الإنتاج التشريعي للكونغرس تراجعاً حاداً اذ إن هذا (الفراغ السياسي) الذي تركه المشرعون سمح بتعزيز النفوذ الشخصي للرئيس على حساب المؤسسات الدستورية مما يضع نظام (الفروع الثلاثة المتساوية) أمام اختبار وجودي، حيث إن الفشل في وضع أطر تفويضية محددة للعمل العسكري في إيران قد مهد الطريق لنموذج حكم ينفرد فيه (القائد الأعلى) بقرار الحرب متجاهلاً (الضمير الجمعي) للكونغرس الذي أراد الآباء المؤسسون أن يكون هو الحارس ضد (فساد الغرور وحب الشهرة) في قضايا الحرب والسلم .

إن تداعيات هذا السلوك تمس جوهر النظام الجمهوري الأمريكي، حيث يؤدي غياب الرقابة الفاعلة إلى تعزيز (الرئاسة غير المقيدة) التي تعتمد على التصعيد والعمليات الاستباقية دون توافق وطني اذ إن تجربة عام 2026 تؤكد أن قوة الولايات المتحدة لا تنبع فقط من آلتها العسكرية، بل من تماسك مؤسساتها الدستورية وقدرتها على إجراء نقاشات وطنية شفافة وهو ما يبدو غائباً في ظل الجمود الراهن الذي يمنح التفويض بالصمت والامتناع بدلاً من المسؤولية والتشريع، مما يعرض الأمن القومي لانتكاسات استراتيجية قد تغير وجه الديمقراطية الأمريكية للأبد .

الخاتمة

ختاماً يتضح أن الكونغرس الأمريكي في عام 2026 قد اختار من خلال الانقسام الحزبي والجمود التشريعي أن يتنازل عن دوره الأصيل كشريك مساوٍ في قرار الحرب والسلم، ليتحول إلى مدير للمخاطر السياسية لصالح الإدارة التنفيذية، حيث إن تداعيات الفشل في فرض وجوب حصول الرئيس على تفويض تشريعي جديد للعمليات العسكرية الاستباقية ضد إيران لم تقتصر على إضعاف الموقف القانوني للدولة بل امتدت لتشمل انتكاسات استراتيجية واقتصادية طالت المصالح القومية العليا وتسببت في اضطراب لأسواق الطاقة العالمية .

لقد أدى هذا التخلي عن السلطات إلى تعزيز (الرئاسة الإمبريالية) التي تتصرف بناءً على التقديرات الأحادية والحدس الشخصي مما جعل الولايات المتحدة تواجه تحديات وجودية في ميزان القوى العالمي اذ إن استعادة التوازن الدستوري يتطلب من الكونغرس استعادة سيادته على (سلطة المال) و(قرار الحرب) والاعتراف بأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في شرعية قراراتها والتفاف الشعب حول استراتيجيتها الوطنية .

إن واقع الحال في عام 2026 يثبت أن الحرب الاستباقية دون غطاء برلماني مؤسسي هي وصفة للفشل  وأن استدامة أي التزام عسكري خارجي تتوقف على قدرة المؤسسات الدستورية على ممارسة دورها كفاعل استراتيجي مسؤول يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الحزبية الضيقة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *