– عدم اكتمال تجربة الامام علي ،بداية المأساة .
-لايمكن للخوف ان ينتج افكاراً
– الاستلاب أصل الخراب .
مايمكن ملاحظته دون عناء ، ان الأكثرية الساحقة ممن ينحرفون عن المسار العام للثقافة الشيعية ، ويتطرفون في مناهضتها – بل ومعاداتها – هم من الشيعة أنفسهم ،كما انهم الأكثر قابلية لتبني الأكاذيب المروجة اعلامياً ،ومن ثم الدفاع عنها باعتبارها يقيناً ، مما يوقعهم بالاضطراب الفكري ،بصرف النظر عن مقدار التعليم الذي حصلوا عليه .
كنت قد تناولت مثل هذا الموضوع في كتابي (شيعة ضد الشيعة ) الذي ركزت فيه على تلك المتناقضات التي يحملها الشيعة ،ضد شيعة آخرين ،درجة اعتبارهم الخطر الأول الذي ينبغي مواجهته .
بقراءة متمهلة لتلك الظاهرة ،ستعود في جذورها الى (بتر) التجربة الفكرية التي قادها الإمام علي ، ودخول الشيعة بعدها في أزمنة طويلة من القمع ،الذي اتخذ أشكالاً قاسية ،زرعت في نفوسهم الخوف من قول مايؤمنون به حقاً ، وجعلت الفكرة تصاب بضمور وتساؤل عن جدواها ،وسط تعرّض حامليها ، ليس في التهديد الجسدي وحسب ،بل حتى في الجانب الإنساني /المعنوي ،حيث وضعت فيهم أسوأ الصفات وأكثرها شناعة .
لقد تحولت عقيدتهم ،الى جمرة في أيديهم ، وحسرة في نفوسهم ،ولايمكن لمرعوب أن ينتج أفكاراً منتجة ، لذا حاولوا البحث عن ملاذات آمنة ، سواء بدخولهم الأحزاب ذات الايدلويجا ،التي سرعان ماحفرت داخل نفوسهم عميقاً ،أو البحث عن الموجود الأقوى للاحتماء به ،مع اظهار قوة وعزيمة الولاء لما يرضي ذلك القوي .
الشعور بالاقلوية ، تكون أحياناً سبباً للتفوق والبحث عن التميز والارتقاء ، وهذا ما حصل لليهود ،والأرمن ، بل وحتى الكورد ،حيث المثقف يلجأ الى صنع الأكاذيب كي يرفع من شأن قومه ،فيما الشيعي يفعل للعكس ليحطّ من قومه .
الذي أوقع الشيعي في تلك الاشكالات التاريخية ،اضافة الى بتر تجربة الامام علي ، والحرب التي شنت عليه بلاهوادة ، هناك الشعور بأن عليه أن يواجه ظلم العالم ، لأنه يحمل رسالة كونية كبرى تركها له أمامه الأكبر (علي) لكنه لايعرف الخطوات اللأزمة ليقوم بذلك ،هل يهاد ويمارس التقية ؟؟ ام يثور بوجه الطغاة ويتحمل ما ينتج عن تلك الثورة ؟؟
الحمامة التي تجيد النواح بحزن دائم ، في هديل له وقع خاص لايلقده فيها صنف آخر من الطيور ، لكنها جميلة مسالمة ،لاتنسى موطنها ولاتتوه عن وكرها .
الغراب يمتاز بالشراسة وقبح الصوت الناعق ،وفي المرويات الدينية ،هو من علّم قابيل على دفن أخيه هابيل بعد قتله ، وهو من الطيور التي تجلب التشاؤم وتدل على الخراب .
الشيعة في العراق
الشيعة في العراق ، وقع عليهم الضغط الأكبر عبر مراحل طويلة من التاريخ ، بدءاً من الأمويين مروراً بالعباسيين والعثمانيين ،وصولاً الى حكم الدكتاتورية ، ومازال متواصلاً سياسياً واعلامياً وعقائدياً .
تلك الحملات المركّزة ،وجدت تأثيرها الفاعل على المثقف ، أكثر من فئات المجتمع الشيعي الأخرى ،باعتباره الأكثر تماساً مع السلطة ،والأكثر احتياجاً لها في الوقت عينه ، فلا فرصة لديه لإثبات وجوده كمثقف ،خارج مساحة السلطة ،سواء في الحصول على وظيفة ، توفر له دخلاً مستقراً و مكانة اجتماعية معينة ، لكن السلطة – بتوجهاتها الطائفية أو القومية- لاتنظر اليه كمواطن مكتمل الصفة ، بل عليه أن يثبت ولاءه للحاكم ، فيتبني طروحاته وشعاراته، باعتبارها ثقافته وقناعاته الشخصية .
ذلك ما خلق نوعاً من الارتباك داخل شخصية المثقف ، بين مايراه من انحراف وظلم وتشويه لوجوده – جغرافياً واجتماعياً وعقيدياً وتاريخياً – وبين ماهو ملزم على اتباع سلوك مغاير لقناعاته ، التي أجُبر على كتمها واخفائها .
لقد كان يتقلّب بين طبع الحمامة المطيعة الودود ، وبين طبع الغراب ، الذي عليه ان ينعق بترديد الشعارات الملزم عليها ، ومع استمرار تلك الممارسات ولسنوات طويلة ،ترسبت في دواخل المثقف الشيعي – خصوصاً – لتصبح جزءاً من مكوناته النفسية .
حين تغيرت الأحوال ،اكتسب المثقف حرية واسعة في حركته الخارجية ،لكنه لم يستثمر ذلك في طريقة تفكيره ، بل بقي طبع الحمامة والغراب ،يحدد سلوكياته و طروحاته ، لكنه انتقل الى الاستهداف المعاكس ،فقد رفع من وتيرة سلوك الغراب ،للنعق ضد كل مايخص العملية السياسية الجديدة ، وكل مايتعلق بها من فئات وقوى وأحزاب وشخصيات ومواقف وأوضاع عامة ، حتى وصل الأمر الى تصوّر ان العراق تحول بعد (صدام) الى خرائب ودمار تنعق فيه الغربان .
في الوقت عينه ،يتخذ طبع الحمامة مع من يناهض التحول في العراق ، فالبعثيون على حقّ حين يطالبون بعودة حكمهم ،فزمنهم كان أفضل وأحسن مما هو الآن ، بدلالة شهادات مثقفين كثر – شيعة – وبعضهم ممن كانوا متضررين من الدكتاتورية – (علواه على الزمن الجميل) أما العرب بنوازعهم الطائفية ، والكورد بطموحاتهم الانفصالية ،فهم بنظر هؤلاء – معهم الحق في مواقفهم ، كما في اساليبهم ومسلسلاتهم وبرامجهم وتسمياتهم – كما جعلوا الهوية العراقية وصفة الوطنية ، تنطبق حصراً على من يهاجم العملية السياسية بكل مالها وماعليها ،رغم انهم ينعمون بالحرية والاكتفاء المادي في ظلها ، ولم يسلم منهم ، حتى ظاهرة بارزة دافعت عن العراق بوجه داعش وحافظت على مقومات الدولة والحرية فيها – الحشد- فصبوا عليه اتهامات تنضح بالكراهية والرياء ، لقد طبقوا ذات الأساليب التي مارستها الدكتاتورية ،بما فيها اتهام من لايقرّهم على مايقولونه .
طبع الغراب هذا ،يحتاج الى وقت طويل ليتمكن المثقف الشيعي من مغادرته أو الحدّ من غلوائه على الأقل ، لكن المشكلة حين تتوفر له الاستمرارية والنجاح .
أما طبع الحمامة ،الذي يستخدم مع من يناصب العراق العداء ،فسيبقى قائماً ،مادام يحقق مصالح وامتيازات .
لقد اصبح طبع الحمامة وسلوك الغراب ،يعيشان بانسجام داخل المثقف ،بل ويشكلان له وسيلة عيش ومحطات وصول .


