الانتخابات ليست معياراً للديمقراطية

الانتخابات ليست معياراً للديمقراطية
الانتخابات إجراء شكلي لنقل السلطة، أما الديمقراطية فحزمة قيم ومؤسسات وثقافة حكم؛ إجراءُ اقتراع دون بنيةٍ مؤسساتية وثقافية راسخة قد يحوّل الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الاستبداد بدل تحقيق الحكم الديمقراطي الحقيقي....

لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أنْ يُعَد النظامُ السياسي نظاماً ديمقراطياً كونه يجري انتخابات دورية او تمخض عن انتخابات تشريعية أو رئاسية فهتلر في ألمانيا جاء عن طريق صناديق الاقتراع، وكذلك موسيليني في إيطاليا، وكانا من مخرجات الانتخابات وصناديقها، ولكنهما كانا أشد أعداء الإنسان والإنسانية إذ ارتكبا أبشع الجرائم التي سجلها التاريخ بصفحات سوداء.الانتخابات عملية إجرائية للتداول السلمي للسلطة، بينما الديمقراطية أكثر إتساعا وأكثر شمولا من الانتخابات. فهي حزمة من المفاهيم والسلوكيات والقيم الثقافية التي تشتمل فيما تشتمل عليه الدفاع عن حقوق الانسان والتعددية بكل اشكالها سياسية وثقافية وإثنية فضلا عن قيم ومنظومات سياسية وقانونية وثقافية واقتصادية اخرى.

الانتخابات والديمقراطية

فالانتخابات اذن هي اجراء على السطح السياسي والاجتماعي فيما الديمقراطية تعالج الأعماق ولاتقتصر على السطح.استنبات القيم الديمقرطية وإزاحة معيقاتها الثقافية والاجتماعية تحتاج الكثير من الاشتغال الثقافي والتغيير في منظومات الدولة والمجتمع في المجالات الثقافية والسياسية والقانونية والاجتماعية.فأحيانا يواجه التحول الديمقراطي تربة غير صالحة ونباتات ضارة لهذه النبتة الغريبة على التربة، فضلا عن وجود بعض الطفيليات والفيروسات والأمراض في الواقع المجتمعي والسياسي تواجه القيم الديمقراطية وتحاربها وتفسد عملية استنباتها.

فسباخ الاستبداد وملوحة مياه القيم الاجتماعية جميعها قد تجتمع فتكون عائقا أمام استنبات بذرة الديمقراطية. ومن هنا فإنَّ الديمقراطية ليست انتخابات فحسب لتدّعي بعض الانظمة السياسية انها أجرت عدة دورات انتخابية. فعمليات التحول الديمقراطي والتي إحدى آلياتها هي الانتخابات قد تصبح وسيلة للوصول للسلطة وليست غاية لإقامة النظام الديمقراطي بمجمل قيمه.فيصبح هذا التحول وآلياته عملية تشويه للديمقراطية لأنه يوصل للسلطة قوى لا تؤمن بالديمقراطية فكراً و ممارسةً بل تستعمل الديمقراطية كوسيلة وليست غاية، فعلاقة هذه القوى بالديمقراطية هي صناديق الاقتراع التي تحسب كمطية لقوى الاستبداد للتسلط على الدولة والمجتمع. فعملية الربط بين الديمقراطية والانتخابات هي عملية خداع للمجتمع وتشويه وتزييف للوعي السياسي وذلك بوصف الانتخابات بأنها معيار لديمقراطية النظام السياسي.فنظام صدام أجرى عدة دورات انتخابية لما كان يسمى (المجلس الوطني)، كما أجرى انتخابات رئاسية لعدة دورات ولكنه نظام استبدادي دكتاتوري شمولي ارتكب أقذر الجرائم بحق الانسان والانسانية.

الديموقراطية والتجربة العراقية

إنَّ التجربة العراقية بعد 2003 كشفت أنَّ إجراء الانتخابات لا يعني بالضرورة رسوخ الديمقراطية، فقد تحولت الصناديق أحياناً إلى ساحة لصراع الهويات والمصالح، أكثر منها أداة لترسيخ قيم المواطنة والحرية. وهذا ما جعل كثيراً من المواطنين يفقدون الثقة بجدوى العملية الانتخابية وحدها.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لربط الانتخابات بمشروع وطني شامل يعيد بناء الدولة على أساس العدالة الاجتماعية والمؤسسات الدستورية الحقيقية. فالديمقراطية في العراق لا يمكن أن تُقاس بعدد الدورات الانتخابية، بل بقدرة هذه الانتخابات على إنتاج حكومات خاضعة للمساءلة، خادمة للمجتمع، وحامية للتنوع وحقوق الإنسان.

فأحيانا من يصل للسلطة ليست القوى الممثلة الحقيقية للديمقراطية وقيمها، وهو ما لا يمكن ان يحسب بأنه احد مخاضات الديمقراطية انما هو وليد صناديق الاقتراع الذي ليس بالضرورة ان يكون ديمقراطيا بل قد يكون أشد أعداء الديمقراطية وحقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *