عملية التنقيب عن بغداد

عملية التنقيب عن بغداد
تسعى بغداد عبر إزالة التجاوزات إلى استعادة وجهها الحضاري، إذ يشبّه الكاتب العملية بالتنقيب عن آثار مطمورة. إعادة التنظيم تعزز الاستثمار والسياحة وتعيد للعاصمة مكانتها الاقتصادية، مؤكداً أن النظام أساس لنهضة المدينة ومستقبلها...

يسمونها في الاعلام بعملية ازالة التجاوزات عن الارصفة والشوارع والساحات,وانا احب ان اسميها بعملية التنقيب عن بغداد.

اذ لا فرق كبير بين جماعة من المتخصصين  تبحث في المناطق الاثرية لاكتشاف لوح طيني بدقة وعناية خوفا على ذلك اللوح من الضرر,وبين فريق اخر يقوم بعملية ازالة التجاوزات مدعوما بالقوى الامنية حفاظا على انجاز ازالة كل ما يشوه العاصمة.

العملية واحدة بكل ما في الكلمة من معنى ذلك لان الغاية هي تخليص المدينة مما علق بها من ركام الفوضى كما تزال الاتربة عن اثار طمرتها طبقات ثقيلة من التراب والرمال. وبعد عملية التنقيب سيظهر وجه المدينة الحقيقي كما رآه الأباء ممن عاشوا في اربعينات وخمسينات القرن الماضي ,وتحدثوا بحنين عن جمال العاصمة الذي لا يضاهى.

وقد ترك تاريخ بغداد قديما وحديثا في ساكنيها سلوكا مترفا جعل المصريون يصفون من يتأنق ويراعي الذوق العام بانه يتبغدد.هذا الوصف يعني الكثير ومن بين ما يعنيه ان لهذه المدينة سحرا يؤثر في من يسكنها نظرا لعمق تاريخها الانساني,وما قدمته للعالم من معرفة وذوق.

هذه هي بغداد التي اخفت ملامحها عشوائيات تنتشر بسرعة النار في الغابات.كما لا يتوقف زحف الاسواق وعربات الباعة المتجولين والمتجاوزين في السكن ضمن اراض تعود عائديتها للدولة.هذه المشاهد وغيرها بدلت ملامح واحدة من اعظم العواصم في العالم.

ولو قارنا لندن او برلين ببغداد في عام 1945 لفازت بغداد على هاتين المدينتين بعدة نقاط من اهمها الامان والنظافة وطراز العمارة.ان بغداد لم تتعرض لنار الحرب العالمية الثانية وبقيت بعيدة وهادئة على عكس اهم عواصم اوربا.

بغداد الاربعينات تتفوق كثيرا على طوكيو ايضا.والتقارير التي غطت سنوات الحرب تشهد بحجم الدمار الذي لحق باكثر المدن الى درجة يفكر فيها الانسان بان من الصعوبة اعادة بناء خراب الحرب.

إعادة تنظيم العاصمة ليست مجرد مسألة جمال ونظام، بل تحمل أبعادًا اقتصادية مهمة. إزالة التجاوزات وتنظيم الأسواق يعزز حركة الاستثمار ويحفز أصحاب المشاريع على تطوير أحيائهم ومحالهم التجارية بشكل قانوني وآمن. كما يقلل الفوضى من الخسائر المادية الناتجة عن احتلال الطرق والشوارع ويزيد من قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات والضرائب. تحسين البنية التحتية والمرافق العامة يجذب السياحة ويعيد للمدينة مكانتها الاقتصادية على الصعيدين المحلي والدولي. بهذا، تصبح بغداد ليست فقط أكثر تنظيماً وجمالاً، بل أيضاً أكثر إنتاجية واستدامة من الناحية الاقتصادية.

كان من المنطقي ان تقفز بغداد للعالمية وتنافس عواصم الغرب لكن وفي هذه الكلمة يختبيء الف تساؤل والف نغمة حزن.

ومع ذلك علينا ان نثق بالمستقبل وان تتواصل جهود اعادة تنظيم العاصمة حتى يعتاد الناس النظام وعدم التجاوز على حق المواطن والعاصمة في وقت واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *