الصراع الطائفي.. صناعة صهيونية أمريكية

الصراع الطائفي.. صناعة صهيونية أمريكية
الشهادة تكشف استغلال إسرائيل للانقسامات الطائفية لتفتيت المنطقة، مع تجاهلها القانون الدولي بدعم أمريكي كامل. مواجهة هذا الكيان مسؤولية جماعية لشعوب المنطقة والعالم، وتستلزم رادعاً سياسيًا وقانونيًا وميدانيًا حقيقيًا....

في شهادة لافتة للأسير الفلسطيني المحرر محمد بدر، يكشف جانبًا خفيًا من أدوات الاحتلال الإسرائيلي في إدارة الصراع. ففي أثناء التحقيق معه داخل سجن “رامون”، حاولت محققة إسرائيلية إقناعه بأن “الشيعة أعداء السنة”، وأن إسرائيل هي “الدرع الواقي” من هذا الخطر المزعوم. كلماتها لم تكن مجرد محاولة عابرة للضغط النفسي على أسير مكبل، بل تجسيد واضح لاستراتيجية إسرائيلية – أمريكية تقوم على توظيف الانقسام الطائفي لتفتيت المنطقة وتغيير بوصلة العداء.

هذه الحادثة تكشف ثلاث حقائق أساسية:

1.التلاعب بالهوية الدينية: العدو يحاول استبدال الوعي المقاوم بوعي طائفي ضيق، يحوّل الصراع من مواجهة الاحتلال إلى صراع داخلي بين المسلمين أنفسهم.

2.تسويق إسرائيل كحامٍ مزعوم: عبر شيطنة طرف إسلامي (الشيعة أو إيران) وتقديم الكيان الصهيوني كـ”شريك استراتيجي”، وهو انقلاب خطير في معادلة الصراع.

3.إعادة إنتاج الخطاب نفسه عربيًا: المفارقة المؤلمة أن ما كانت تقوله المحققة الإسرائيلية في الزنازين، بات يُردَّد اليوم على ألسنة بعض الساسة والإعلاميين العرب، خصوصًا في الخليج، في إطار تحالفات معلنة مع تل أبيب.

يقول بدر إنه قبل ما يسمى “الثورة السورية” لم يكن يعلم أن بشار الأسد علويًا، كل ما كان يعرفه أنه رئيس رفض التطبيع مع إسرائيل وفتح بلاده لمقرات ومعسكرات فصائل المقاومة الفلسطينية. هذه الملاحظة البسيطة تختصر جوهر القضية: البوصلة ليست المذهب بل الموقف من الاحتلال.

اليوم، وبعد أن غُذِّي الخطاب الطائفي بالمال والإعلام والسلاح، نرى أن المشروع الصهيو-أمريكي حقق اختراقًا خطيرًا في الوعي الجمعي العربي، محاولًا تحويل المقاومة إلى “عدو” وإسرائيل إلى “حليف”. لكن هذه الحقيقة تضعنا أمام سؤال ملحّ: هل نسمح بأن يتحول دمنا ووعينا إلى أدوات بيد من يحتل أرضنا ويمزق وحدتنا؟

إسرائيل فوق القانون الدولي: الكيان المدلل على حساب دماء الشعوب

منذ نشأة الكيان الإسرائيلي وهو يتعامل مع القانون الدولي ومؤسساته كأدوات شكلية لا أكثر. يخرق القرارات الأممية، ويضرب بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن، ويستبيح الأراضي والحقوق دون رادع، مستنداً إلى غطاء أمريكي كامل جعل منه “الابن المدلل” الذي لا يُحاسب مهما بلغت جرائمه.

فإسرائيل تبني المستوطنات بشكل ممنهج في الضفة الغربية، في خرق واضح للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وتطرد المقدسيين من بيوتهم لصالح مشاريع التهويد، وتواصل سياسة مصادرة الأراضي وتجريف القرى الفلسطينية، وتقتل الفلسطينيين وتمنع وصول المواد الغذائية بينما يكتفي العالم ببيانات تنديد لا تسمن ولا تغني.

الجرائم لا تتوقف عند حدود فلسطين؛ فالطائرات الإسرائيلية تعبر أجواء المنطقة وتقصف حيث تشاء: لبنان وسوريا والعراق واليمن، وصولًا إلى إيران وقطر، في تجاوز صارخ لسيادة الدول ومبادئ الأمم المتحدة. ومع ذلك، لم ينجح مجلس الأمن – رغم عشرات المحاولات – في إصدار قرار واحد ملزم يوقف الحرب على غزة أو يلجم العدوان المستمر، لأن الفيتو الأمريكي حاضر دائمًا لحماية إسرائيل من أي مساءلة.

لقد تحوّل الكيان الإسرائيلي إلى مشروع استعماري معاصر، يجمع بين الاحتلال العسكري والتفوق التكنولوجي المدعوم سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا من الغرب. وما يزيد الوضع سوءًا هو الصمت العربي والدولي، بل تواطؤ بعض الأنظمة التي ترى في التطبيع مع هذا الكيان طريقًا للسلام، بينما هو لا يعرف سوى منطق القوة والبطش.

هذا الواقع يكشف مأزق القانون الدولي ذاته: فحين تكون هناك قوة تمتلك دعماً أمريكياً وغربياً مطلقاً، يصبح القانون مجرد نصوص بلا أدوات تنفيذية. وعليه، فإن استمرار إسرائيل في نهجها الاستيطاني والعدواني ليس فقط تهديداً للفلسطينيين، بل تقويضاً لمنظومة الأمن الدولي، وإشارة خطيرة إلى أن منطق القوة هو الحاكم، لا الشرعية الدولية.

إن مواجهة هذا الكيان لم تعد مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل مسؤولية كل شعوب المنطقة والعالم، إذا كانت هناك جدية في حماية العدالة والسلام. فإسرائيل التي تُغذي الصراعات وتُقوض الاستقرار ليست مجرد “مشكلة فلسطينية”، بل مشروع فوضى دائم، لن ينكفئ إلا إذا فُرض عليه رادع حقيقي، سياسيًا وقانونيًا وميدانيًا. ولن تنتهي سطوة الكيان الصهيوني واستهتاره وتجاوزه مالم يكن هناك اجماعاً لشعوب المنطقة حتى تضغط على حكامها لاتخاذ قرار فاعل ومؤثر يوقف عدوان الكيان الصهيوني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *