جيش لا ينكسر أمام المحن وعلم لا يُزاحمه علم

جيش لا ينكسر أمام المحن وعلم لا يُزاحمه علم
الجيش العراقي يمثل العمود الفقري للدولة وحامي السيادة والوحدة الوطنية، ورغم محاولات تفكيكه بعد 2003 أعاد بناء نفسه وقاد معارك الشرف ضد الإرهاب. دعمه واستقلاله ضرورة لبقاء العراق دولة قوية موحّدة قادرة على مواجهة التحديات....

المقدمة

حين يخرج  علينا بعض الحمقى بدعوات مشبوهة لاحتلال العراق ورفع أعلام دول أخرى فوق أرضه الطاهرة طمعًا في مكاسب سياسية رخيصة فإنهم يتجاهلون حقيقة لا يمكن أن يطمسها الزمن: أن للعراق جيشًا عظيمًا من جنود وضباط أصلاء أبطالًا شرفاء لم يعرفوا يومًا التبعية ولا الارتزاق. جيش ظل وفيًا لعراقيته شامخًا بعزيمته صامدًا أمام أعتى الحروب وأقسى المآسي وأشد النكبات.

إن كل أمة بلغت العظمة كان في قلبها جيش صلب قوي لا تنكسر إرادته ولا تلين عزيمته. وهكذا هو جيش العراق: حارس السيادة سيف الأمة صمام الأمان ودرع الوطن المنيع في وجه كل طامع ومتآمر. إنه خط الدفاع الأول عن الأرض والعرض والدستور.

ومن رحم هذا الجيش تبدأ مسيرة النهضة فهو الذي يحمي الحدود ويصون القانون ويشيّد بيئة آمنة تُزهر فيها التنمية ويزرع في قلب كل مواطن اليقين بأن للعراق درعًا لا يُكسر وسيفًا لا يُغمد وراية لا تعلو فوقها راية.

*الدول العظمى تُصنع في ثكنات الجيوش

لم تبنِ الدول الكبرى عظمتها على الشعارات الرنانة  بل بنيت بسواعد جيوشها الصلبة . فالولايات المتحدة لم تكن لتصبح قوة عظمى لولا امتلاكها مؤسسة عسكرية جبارة قادرة على حماية مصالحها الممتدة من الأطلسي إلى الهادئ. وكذلك الصين وروسيا وفرنسا و بريطانيا جميعها أولت الجيش أولوية قصوى ورأت فيه عماد الهيبة والسيادة وأداة لتحقيق الأمن القومي والاستقرار السياسي و الاقتصادي.

الصين رغم تعدادها السكاني الهائل وسيطرتها على مفاتيح الصناعة وضخامة إنتاجها إلا أنها لم تدخل نادي القوى العظمى إلا بعد أن شيّدت جيشًا قادرًا على حماية مصالحها وتوسيع نفوذها. ومع ذلك لا تزال عاجزة عن فرض ارادتها السياسية  ومجاراة الولايات المتحدة في حجم الإنفاق العسكري إذ يظل البنتاغون في الصدارة بميزانية تفوق ما تنفقه بكين و موسكو  وباريس وبريطانيا  مجتمعاً بفارق شاسع  لتبقى القوة الأمريكية العسكرية معيارًا تتطلع إليه بقية القوى في العالم حتى وإن امتلكت مقومات اقتصادية وصناعية هائلة.

أما ألمانيا واليابان وبرغم عبقرية شعوبهما الهندسية والعلمية وقوتهما الصناعية وتفوقهما التكنولوجي والعلمي الذي يضرب به المثل فإنهما لم يبلغا مرتبة العظمة الحقيقية لافتقادهما جيوشًا كبرى قادرة على حماية طموحاتهم وتوسيع نفوذهم وحماية ارادتهم السياسية . فالقوة الاقتصادية والتقنية مهما بلغت تبقى ناقصة إذا لم تسندها قوة عسكرية صلبة تفرض الإرادة وتحمي المكتسبات على الساحة الدولية.

وعلى النقيض فإن الدول الفاشلة تشترك في سمة واحدة: الخوف من قوة جيشها والرهبة من انقلابه على نظام الحكم الفاسد فتعمل على تفكيكه من الداخل عبر التجويع والتهميش والإذلال حتى يتحول من حصن للوطن إلى مؤسسة منهكة فقيرة عاجزة عن الدفاع عنه.

*الجيش ضحية الحكومات الفاسدة

في العديد من الدول الفاشلة تتبنى بعض الحكومات الفاسدة إستراتيجيات ممنهجة لإضعاف الجيش. إذ تخشى هذه الأنظمة من أن يتحول الجيش إلى قوة موازية أو تصحيحية تحمي طموحات و رغبات الشعب  فتعمد إلى:

  • حرمان المؤسسة العسكرية من التمويل والتجهيز والتدريب.
  • تعيين و زرع قادة غير مهنيين في المناصب الحساسة لضمان الولاء السياسي.
  • تدمير الروح المعنوية عبر التمييز بين التشكيلات والوحدات واحتقار الرتب.
  • دمج أمراء الحرب والمسلحين الغير منضبطين ذوات الولاءات السياسية داخل الجيش مما يفكك بنية القيادة والانضباط.
  • الاستعاضة عن المؤسسة الوطنية بعناصر مسلحة غير نظامية لحماية المكاسب السياسية والاقتصادية على حساب المهنية والوطنية.

هذه الممارسات لا تضعف الجيش فحسب بل تدمر الدولة من الأساس. فلا يمكن لأي حكومة أن تفرض سيادتها أو تصون مصالحها في غياب مؤسسة عسكرية قوية ومهنية موحدة ومحترفة.

*الجيش العراقي: حجر الأساس للدولة الحديثة

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 كان الجيش العراقي هو البذرة الأولى والسور الذي حمى المشروع الوطني الوليد. تأسس الجيش مع تتويج الملك فيصل الأول وتكوّن من ضباط عراقيين عائدين من جيوش عالمية كالعثماني والبريطاني والألماني. ورغم تعاقب العهود والانقلابات ظل الجيش حجر الأساس لبناء الدولة وسورها الأمين في وجه الطامعين.

ففي عهد الملك غازي والملك فيصل الثاني تطورت البنية العسكرية العراقية فتم بناء الفرق العسكرية وتطوير القوات الجوية والبحرية وأوكلت للجيش مهمة حماية المصانع والموانئ والحقول النفطية والبنية التحتية للبلد مما أتاح للدولة أن تنهض وتزدهر بشكل مستقر وسريع.

ولم يكن الجيش حاميًا للداخل فقط بل كان ذراعًا للأمة في ساحات الشرف تارة يقاتل في فلسطين وتارة يحمي دمشق من السقوط  و تارة اخرى يذود عن حدود الأردن ويشارك في حماية سماء مصر العروبة  ويدافع عن بيروت عروس العرب ويحمي موريتانيا من السقوط و يوحد اليمنين  و يحمي وحدة السودان من التفكك ويحرر إريتريا من الاستعمار هكذا كان الجيش العراقي له دور مشهود في كل شبر على خارطة وطننا العربي .

*النكسة الكبرى: استهداف الجيش وتدمير السيادة

مع غزو العراق عام 2003 لم يكن الهدف إسقاط النظام السياسي هو الهدف الأساسي فحسب بل كان المخطط أعمق وأخطر: هو تفكيك الدولة من جذورها وحماية أسرائيل ومشروعها المستقبلي  واضعاف المنطقة عبر تدمير المؤسسات  الأمنية والعسكرية وحل الجيش العراقي الباسل بقرار مشؤوم من الحاكم المدني بول بريمر في واحدة من أسوأ القرارات التي شهدها التاريخ الحديث. هذا القرار نُفّذ بمباركة ثلة ممن باعوا سيادة العراق للمستعمر الأجنبي فتركوا البلاد مكشوفة لرياح الإرهاب والفوضى والاقتتال على الهوية وانفلات الأمن في كل صوب.

لكن التاريخ أثبت أن الجيوش العظيمة لا تموت بل تنهض من تحت الركام. فاضطر من أصروا على حل الجيش بالأمس إلى إعادة بنائه اليوم ليحمل السلاح من جديد دفاعًا عن هوية العراق الموحدة ويقف سورًا منيعًا أمام موجات الإرهاب. من الفلوجة إلى الموصل الى الانبار ومن الجنوب إلى الشمال خاض جيش العراق معارك الشرف حتى أعاد للشعب أمنه واستقراره وثقته بالمؤسسة العسكرية التي لم تنجرّ يومًا إلى الفرقة أو الطائفية بل كانت الضامن لسلامة جميع العراقيين دون تمييز.

وبفضل بطولات الجيش العراقي وُضعت اللبنة الأولى لقيام الحكومة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية وضُمن الأمن لإجراء الانتخابات ومنح السياسيون فرصة العودة إلى الحكم والجلوس على الكراسي… بسلام وأمان بفضل دماء من صانوا الوطن.

* تحديات داخلية تواجه المؤسسة العسكرية

رغم التضحيات الجسيمة التي قدمها الجيش العراقي من أجل أمن واستقرار البلاد ورغم الآلاف من الشهداء والجرحى الذين بذلوا دماءهم فداءً للوطن يواجه الجيش اليوم تحديات داخلية متعددة. من جهات سياسية وإعلامية مشبوهة قذرة  و بعض الشخصيات المؤثرة في الرأي العام المشبوهة ومن الخونة ومن عملاء الموساد حيث يوجهون الانتقادات السلبية المخزية والتي تهدف إلى النيل من مكانة الجيش ودوره الوطني.

ولا يمكن تجاهل أن كثيرًا من هؤلاء الأقزام لم يخضوا معارك الشرف للدفاع عن العراق والأمة العربية سواء في فلسطين أو سوريا أو الأردن أو مصر واليمن والسودان حيث تشهد مقابر الشهداء لتلك البلدان على تضحيات أبناء جيشنا الباسل البطل. ومع ذلك لم يلتزم البعض بالشكر أو التقدير لجهود وتضحيات المؤسسة العسكرية بل سعوا إلى تقزيم دورها وتشكيك قدراتها رغم أنها كانت وما تزال الدرع الحصين الذي يحمي أمن واستقرار العراق.

وفي هذا الإطار تبرز عدة نقاط حيوية تستوجب التأكيد عليها:

  • الاحترام والتقدير للمؤسسة العسكرية: يجب أن تكون المؤسسة العسكرية محل احترام الجميع نظراً لدورها الأساسي في حفظ الأمن الوطني والسيادة العراقية .
  • ضرورة محاسبة كل من يسيء إلى المؤسسة العسكرية و يجب أن يكون هناك موقف واضح وحازم تجاه كل من يتطاول على الجيش العراقي ويشوه صورة قادته وضباطه وجنوده لأن هذا الإساءة لا تضر بالمؤسسة العسكرية فحسب بل تمس أيضاً أمن واستقرار الوطن بأكمله.
  • الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية و العمل على تعزيز الروح الوطنية والعقيدة القتالية والابتعاد عن المحاولات التي تهدف إلى تفتيت الوحدة الداخلية أو تهميش الضبط العسكري.
  • استقلالية القرار العسكري و ضمان اتخاذ القرارات العسكرية بعيداً عن التأثيرات السياسية والفئوية لتمكين الجيش من أداء مهامه بكفاءة ومهنية.
  • مكافحة الفساد والتسييس داخل المؤسسات الأمنية و حماية المؤسسات العسكرية والأمنية من التجاذبات الحزبية والسياسية والفئوية التي تهدد استقرارها وحيادها وفصل الجيش عن السياسية.
  • دعم التطوير والتدريب المستمر و الاستثمار في تأهيل الجنود والضباط ليكونوا جاهزين لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة والمستقبلية.

تظل المؤسسة العسكرية العمود الفقري لأي دولة تسعى للحفاظ على سيادتها وأمن شعبها ويجب أن تتضافر جهود الجميع لدعمها وتمكينها من أداء دورها الوطني على أفضل وجه.

*لا سيادة بلا جيش ولا مستقبل بلا مؤسسة عسكرية محترفة

لا يمكن لأي دولة أن تحافظ على سيادتها أو تضمن مستقبلها دون جيش وطني موحد محترف قادر على الدفاع عن الأرض والشعب. الدولة التي تفتقد إلى مؤسسة عسكرية قوية تصبح عرضة للفشل والانهيار لأنها تفتقد العمود الفقري الذي يحمي وجودها ويصون وحدتها.

لا يمكن بناء مصانع انتاجية أو تطوير بنية تحتية أو إقامة موانئ ومطارات دون وجود قوة عسكرية تؤمن الحماية والسيطرة ولا يمكن إيصال أنابيب النفط والغاز والكهرباء عبر أراضٍ ممزقة بسلاح منفلت ومليشيات متصارعة تهدد الأمن والاستقرار.

لذلك فإن أي محاولة لإضعاف الجيش العراقي ليست مجرد عمل ضد مؤسسة عسكرية وطنية مهنية محترفة بل هي ضرب مباشر لركيزة الدولة وسيادتها  وتهديد صريح للأمن القومي ومستقبل العراق كدولة موحدة مستقرة. إن حماية الجيش ودعمه هي حماية للعراق وهي ضمان لاستمرارية الدولة وحماية حقوق أبنائها في الحرية والأمان والتنمية.

*الخاتمة

جيش عظيم لا تهزه العواصف… وراية خفاقة لا تعلو عليها الرايات

سيبقى الجيش العراقي رغم كل التحديات والصعاب السور المنيع لهذا الوطن وضامن أمنه واستقراره والحاضن الوطني الذي يجمع تحت رايته كل أطياف الشعب العراقي بلا تمييز أو انقسام. ومهما حاول المتآمرون النيل من مكانته أو تشويه صورته سيظل الجيش حارس الوحدة والسيادة وحامل راية العراق الموحّد وقائد طريق بناء الدولة العادلة والقوية.

لا راية تعلو فوق راية العراق الخفّاقة راية الله أكبر التي وحّدت العراقيين وجمعت أبطالهم تحت ظلها رغم أنوف الخونة والجبناء والمتآمرين.

فالجيش ليس مجرد أداة للحرب والدفاع بل هو مؤسسة بناء وتقدم وضمانة للسلم الأهلي ورمز الوحدة الوطنية الذي يربط أبناء العراق جميعًا بعرى المصير المشترك.

ومن واجب كل من يؤمن بمستقبل العراق الموحّد والقوي أن يدافع عن المؤسسة العسكرية الوطنية ويحميها من محاولات الاختطاف السياسي ويصون مكانتها السامية فهي الأمل الباقي في زمن تتقاطع فيه المصالح وتتزاحم الولاءات وهي الضامن الحقيقي لكرامة العراق وسيادته واستقراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *