الحجاب بين القداسة والموضة: تشويه رمزية العفة

الحجاب بين القداسة والموضة: تشويه رمزية العفة
الحجاب في الإسلام عهد مقدس يحفظ الكرامة والعفة، لا مجرد غطاء خارجي. غير أنّ استغلاله في عروض الأزياء ومسابقات الجمال شوّه معناه، مما يستدعي جهودًا توعوية ودينية لإعادة صورته الأصيلة كرمز للحياء والهوية وحماية للمرأة المسلمة....

في عالم متغير تتلاشى فيه القيم وتتحول فيه المفاهيم، يبقى الحجاب رمزًا خالدًا للتزام المرأة المسلمة بدينها وأخلاقها، ليس مجرد قطعة قماش تلف حول الرأس، بل عهد مقدس بين المرأة وربها، وجدار يقيها من فتنة الحياة وتقلباتها.

فرضه الإسلام كواجب شرعي لحفظ النفس والروح، وحصن منيع للحياء والعفة.يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

“يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ…” (الأحزاب: 59)،

وعبر عن ذلك أيضًا في قوله:

“وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ… وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ”

(النور: 31).هذه الآيات تؤكد أن الحجاب ليس مجرد غطاء خارجي، بل هو وسيلة لحماية المرأة ورمز لتقواها وجمال روحها. والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله حييّ ستير يحب الحياء والستر»، تأكيدًا على أهمية الحجاب في البناء الأخلاقي للمسلمة.لكن للأسف، تحولت مظاهر الحجاب في بعض الفعاليات، كتلك المسابقات التي تُنظّم تحت مسمى “ملكة جمال المحجبات” وعروض الأزياء التي تستخدم الحجاب كأداة للعرض، إلى شكل مشوه للرسالة الأصلية.

فالمرأة تجد نفسها ترتدي ملابس ضيقة وألوانًا صارخة مع مكياج يجعل الهدف هو إبراز الشكل الخارجي لا المحافظة على القيم التي جاء الحجاب ليرسخها.هذه الظاهرة تُنتجها بيئة إعلامية تسعى للربح والشهرة على حساب جوهر الحجاب، فتحولت قطعة القماش إلى سلعة تُسوّق لجذب الجماهير، مما يقلل من شأن الحجاب ويشوه صورته في المجتمع.

وهذا بدوره يلحق أضرارًا بالتماسك الاجتماعي ويزرع الشكوك حول مدى التزام المرأة وحشمتها في زمن تزداد فيه الهجمات على رموز الدين وشريعته.الأمر يزداد خطورة مع غياب المواقف الحازمة من الجهات الدينية الرسمية، التي لا تبذل ما يكفي من الجهود لوقف هذه التجاوزات الإعلامية، وقد غابت في كثير من الأحيان الرسائل الواضحة التي تحمي الحجاب كقيمة دينية سامية.

رغم ذلك، صدرت تحذيرات من بعض الهيئات الدينية حول هذه الممارسات، مؤكدة أن استخدام الحجاب كأداة لتسويق الموضة أو في مسابقات الجمال ينحرف عن الهدف الشرعي، لكن هذه التحذيرات بقيت بلا تأثير إعلامي كاف، الأمر الذي يستدعي مزيدًا من الوعي والجهود المشتركة إن المطلوب اليوم هو أن تقود هذه الهيئات حملات توعية مستمرة، وتعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة، وأن يُعاد إلى الحجاب صورته الحقيقية التي تعبّر عن اختيار حرّ، واعتزاز بالذات، وليس فرضًا أو أداة للعرض. فالمرأة المسلمة تستحق أن تحترم خياراتها وتُحيط بفهم عميق يعزز ثقتها بنفسها وبقيم دينها.الحجاب إذن هو خيار مستمد من قناعة صلبة، وضرورة للحفاظ على الكرامة، وبه يحفظ للمرأة مكانتها ويُعزز من قوّتها.

في خضم الضغوط والتحديات، يبقى تاجًا مشعًّا من نور، يعكس جمال الروح وصفاء القلب، لا مجرد قطعة قماش تُطرح على منصات الموضة العابرة.وفي الختام، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الثقافة والإعلام والهيئات الدينية والتربوية، لأن يعيدوا للحجاب قدسيته ويبرزوا معناه الحقيقي، ويحموا المرأة المسلمة من التشويهات التي تسيء لها ولرسالتها.

فالحجاب عهد نبيل يستحق أن يُدافع عنه بوعي وحزم، ليظل صامدًا رمزًا للحياء والسيادة، لا سلعة تُستهلك وتُسوَّق.هذا هو الحجاب كما أراده الإسلام، تاج العفة والشرف، وحصن المرأة الثابت في وجه عواصف المتغيرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *