إبتداء، وأزاء جميع المؤشرات والمعطيات السياسية والعسكرية مابعد التموّضع العسكري الأمريكي في المنطقة، وبفرضية عودة الحرب بين العدو الصهيوني وإيران، وإصرار أمريكي وأوروبي على إيقاف إيران عن تخصيب اليورانيوم إلى درجة الصفر، وإنهاء ملف برنامجها النووي، وحل الحشد الشعبي، ونزع سلاح الفصائل الولائية، يشهد العراق صراعاً سياسياً وانتخابياً قبل شهرين من حصول الانتخابات المُزمع إجراؤها في 11/11/2025.
داخل الإطار التنسيقي، يسعى حزب الدعوة الذي يترأسه نوري المالكي ومعه بعض زعامات الإطار مثل زعيم بدر والعصائب وبعض الفصائل، وبقوة لإعادة المالكي إلى رئاسة الوزراء ويصرّح بذلك علناً، في حين يسعى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بكل جهده السياسي للبقاء على سدة رئاسة الوزراء، عن طريق إنشاء قائمة انتخابية في عموم العراق.
السوداني يضع كل قوته في المحافظات الغربية بالمال الحرام والترغيب والترهيب، والتي تكنُّ العداء للمالكي. ولهذا أقصت المفوضية آلاف المرشحين الذين يؤيدون إبقاء السوداني، عن طريق الاستبعاد والاجتثاث وتهمة السيرة والسلوك الملطلطة، التي لامعنى لها سوى هدف الإقصاء.
في حين جميع القوائم السنية مهمشة ومتهمة ببعثيتها، ومرصودة ومستهدفة لأي سبب كان حتى وإن كانت التهمة السخيفة “السيرة والسلوك”. هذا ما حصل مع رموز سنية وزعماء سياسيين، إذ تجري ملاحقتهم قضائياً وتسقيطهم سياسياً واستهدافهم جسدياً ونفيهم خارج العراق ليخلو الجو السياسي للإطار وأحزابه وفصائله.
إذن الصراع السياسي على أوجه في الإقصاء والتهميش والتسقيط للاستحواذ على السلطة، حتى وإن كان الاستحواذ بطرق غير شرعية ولا قانونية ولا أخلاقية. هذا هدف الأحزاب الطائفية المتنفذة للوصول إلى السلطة مهما كلف الأمر وغلت التضحيات، حتى لا تذهب رئاسة الوزراء لطرف سني كما يدعون، ويفقدهم السلطة والسلاح والمال.
هذا هو المشهد الانتخابي الآن: صراع إرادات سياسية لا إنقاذ للعراق من مستنقع الفشل السياسي والاقتصادي والطائفي الذي يعيشه الفرد العراقي بمرارة وقلق على المستقبل. وما أزمة رواتب المتقاعدين إلا مثال شاخص ومؤلم لأكبر شريحة عراقية بلا راتب معيشي، ناهيك عن الأزمات المزمنة والفساد والفشل في كل وزارة ودائرة، وملايين العاطلين، وآلاف المصانع والمعامل المعطلة عمداً، والتجارة الفاشلة في البطاقة التموينية، وغيرها آلاف الأزمات.
الصراع الانتخابي وإقصاء القوى الوطنية
أخطر الأزمات هو الفساد التاريخي الذي ينخر جسد الدولة العراقية، وتسلط الأحزاب على مفاصلها الحساسة، وفشلها في قيادة المرحلة. آخر الفضائح كانت قائمة أسماء السفراء العائلية المخجلة. ومع كل هذا ما زال العراقي يعوّل على التغيير الداخلي الناعم الذي ينتشل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المزري والخطير، كي لا ينزلق العراق إلى أتون حرب مهلكة أخرى، ويصطف مع إيران التي تقترب من حرب جديدة مع أمريكا وإسرائيل.
ولكن إذا ما بدأت الحرب فلن تنتهي إلا بنهايات مفجعة لمن يشارك فيها، وسيكون العراق ساحتها رغماً عنه. زيارة السوداني إلى دولة عمان كانت في هذا السياق، لإبعاد العراق عن ساحة الحرب، وإرسال رسائل اطمئنان إلى إسرائيل أن العراق ليس طرفاً فيها. لكن السوداني لم يستطع تقديم ضمانات لأمريكا وإسرائيل بضبط إيقاع الفصائل الولائية التي فشل في ترويضها أو نزع سلاحها، والذي ستنزعه أمريكا وإسرائيل بالقوة كما صرّح وزير الخارجية الأمريكي.
الفصائل الولائية تعلن أن ولاءها للمرشد الأعلى الإيراني، وأن تمويلها وتسليحها وأوامرها تأتي منه فقط، في حين ينتمي قسم منها إلى الحشد الشعبي. لهذا فشلت وساطة السوداني في عمان. وتجيء هذه المناورة في وقت يعيد فيه الجيش الأمريكي انتشاره وتموضعه في العراق والمنطقة، ويسحب رعاياه كما فعلت دول أوروبية في إيران، وسط استحضارات عسكرية غير مسبوقة داخل الجيشين الأمريكي والإسرائيلي.
يقول سعيد قطب زادة مساعد وزير خارجية إيران: “إن احتمال الحرب مع إسرائيل مرتفع جداً، ونسعى لعدم جر المنطقة إلى حرب أخرى”. في حين غيّر الرئيس ترمب اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وهو مؤشر أن العالم يستعد لحرب طويلة الأمد تقودها أمريكا وأوروبا وحلفاؤهما. كذلك مؤتمر الصين الرئاسي الذي ضم الرئيس الروسي والكوري الشمالي والصيني واعتبره ترمب “مؤامرة ضد أمريكا”، مؤشر أكيد أن العالم مقبل على حروب خطيرة وستكون حرباً نووية، كما يهدد دائماً الرئيسان الكوري الشمالي والروسي.
ونعتقد أن الحرب، إذا ما بدأت لا سمح الله، ستكون منطقة الشرق الأوسط ساحتها لاستراتيجية موقعها وغنى مواردها.
إنتخابات ناقصة الشرعية وخطيرة العواقب
كي لا نبتعد عن الشأن السياسي العراقي، فهو يغلي بفشله وفساده ويسعى لإجراء انتخابات مصيرية ستكون الأخيرة بكل تأكيد لهذه الأحزاب الفاسدة والفاشلة والطائفية. هذه الأحزاب أوصلت العراق إلى ما نراه ونخجل من وضعه أمام العالم.
الانتخابات المقبلة ستكون مفصلية ومصيرية لأن شعب العراق سيفشل مسعى الأحزاب للوصول إلى سدة الحكم والسيطرة على مصير العراق وموارده ونفوذه السياسي. التغيير الناعم ينتظره الشعب وبإشراف دولي.
لكن إذا ما أصرت الأحزاب ومن وراءها داعمها الرئيسي على التسلط ثانية وتزوير الانتخابات كما في السابق، فإن مصير العراق سيكون على كف عفريت. حينها ستتدخل الدول الكبرى في إعادة العراق إلى وضعه الطبيعي بلا أحزاب ولاؤها لإيران.
العراقيون يعيشون لحظة الانفجار لسوء الخدمات والأوضاع الاقتصادية المأساوية وزيادة الشحن الطائفي الذي تقف خلفه الأحزاب وتؤججه لمصلحتها، لأن الفتنة الطائفية الدينية والمذهبية هي الورقة الرابحة لها والتي تعوّل عليها في بقائها.
الانتخابات ستقرر مصير العراق إن حصلت، وستكون ناقصة الشرعية بعد إقصاء الرموز الوطنية والقوائم الوطنية.


