العشائر و الدين في الدولة المدنية

العشائر و الدين في الدولة المدنية
التطرف في تبني الدولة المدنية يؤدي إلى معاداة الدين والعشائرية معًا، بينما فلسفة المدنية تحتّم احتواء الجميع. الإشكال لا يكمن في وجود الدين أو العشائر، بل في تدخلهما في السياسة، مما يستدعي الفصل بينهما وبين شؤون الدولة المدنية....

إن الإفراط في فكرة الدولة المدنية يدفع بعض دعاة المدنية إلى الغلو في معاداة الدين و العشائرية ، و بالتالي ينصرف هذا التوجه الحاد الى معاداة الدين و العشائرية على حد سواء . و هذا التوجه ، في واقع الحال ، يتقاطع مع النزعة المدنية و فلسفتها الإحتوائية .

إذ لا إشكال في العشائرية بحد ذاتها كونها ترتيبات اجتماعية نهضت بالفطرة ، من أجل توطيد رابطة الدم ، و حفظ الأنساب . بل أن وجودها الطبيعي كان من سنن الله سبحانه ، إذ قال في محكم كتابه العزيز ( ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ الحجرات: 13]

و هنا ينبغي التمييز بدقة متناهية بين النزعة العشائرية الطبيعية من جهة  و دورها في السياسة من جهة أخرى . فالنزعة العشائرية لا إشكال عليها في ظل الدولة المدنية ، بيد أن الإشكالية تبدأ حين تتدخل بالسياسة و ليس في أصل وجودها. لذلك من الضروي أن يتم المحافظة على النزعة العشائرية في ظل الدولة المدنية مع حتمية منعها من التدخل في السياسة و شؤون الدولة . و بذلك فقط تستقيم العلاقة بين العشيرة و الدولة المدنية .

و يبدو أن هذا التأصيل الفكري للعلاقة بين العشائر و الدولة المدنية ، يتسق أيضا مع العلاقة بين الدين و الدولة المدنية.

فالغلو لدى دعاة الدولة المدنية يدفعهم نحو اقصاء الدين كلياً من الدولة المدنية . و هذا واقعا يعد شئ من التطرف في التعاطي مع الدين . إذ لا إشكال في الدين بحد ذاته في إطار الدولة المدنية لأنه يزودها بمنظومة الإيمان و القيم و الأخلاق ، بيد أن الإشكالية تبدأ من لحظة تدخل رجل الدين في السياسة . إن هذا التدخل فقط يتعارض مع مفهوم الدولة المدنية. لذلك ينبغي التمييز ما بين الدين بوصفه منظومة روحية و حضارية و أخلاقية و بين دور رجل الدين الذي يتدخل بشؤون الدولة و السياسة . إذ لا إشكال في الدين بحد ذاته ، إنما الإشكال الذي يتعارض مع فلسفة الدولة المدنية يكمن في تدخل رجال الدين في السياسة.

تنظيم شؤون الدولة المدنية

عليه ، و من أجل تنظيم شؤون الدولة المدنية لابد من الأخذ بما يأتي :

1.إحترام الوجودات العشائرية بوصفها تنظيمات اجتماعية قامت بالفطرة ، و قضى الله سبحانه بوجودها على وجه الأرض ، إلا أنه لابد من الفصل بينها و بين شؤون الدولة و السياسة في إطار دولة مدنية احتوائية.

  1. إحترام الأديان بوصفها معتقدات فطرية آمن بها الإنسان منذ فجر الخليقة الأولى ، و غذت البشرية بمنظومة قيمية و أخلاقية و روحية لا غنى عنها ، إلا أنه لابد من الفصل بين الدين و السياسة أو بكلمة أدق الحد من الدور السياسي لرجل الدين في إدارة شؤون الدولة المدنية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *