المقدمة:
لم يعد التدخل الخارجي في العراق مقتصرًا على الجوانب العسكرية أو الأمنية، بل تمدّد إلى عمق القرار السياسي عبر أدوات ناعمة تقودها شركات الضغط الأمريكية. هذه الشركات، التي تتقن صناعة السرديات وتوجيه الرأي العام، أصبحت شريكًا غير مباشر لبعض الكتل الانفصالية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع العراقي بما يخدم مشاريعها التوسعية والانفصالية.
أولًا: شركات اللوبي وصناعة السرديات السياسية
– شركات مثل Akin Gump وMercury Public Affairs لا تكتفي بتقديم الاستشارات، بل تصوغ روايات سياسية تُقدَّم لصنّاع القرار في الكونغرس والإدارة الأمريكية.
– الكتل الانفصالية تتعاقد معها لتقديم نفسها كـ”أقليات مظلومة”، رغم امتلاكها أدوات السلطة داخليًا.
– الهدف هو التأثير في المواقف الدولية وتبرير مطالب الانفصال تحت غطاء حقوق الإنسان والتمثيل السياسي.
> تساؤل تحليلي: هل يمكن اعتبار هذه التعاقدات شكلًا جديدًا من الوصاية السياسية على القرار العراقي؟
ثانيًا: التزييف الديموغرافي وإعادة تشكيل الواقع السكاني
– في محافظات مثل بغداد وديالى وكركوك، تُقدَّم الحقائق السكانية بشكل مغاير للواقع، لتبدو المدن متعددة المكونات بشكل متوازن.
– تُستخدم أدوات مثل تزوير البطاقات الوطنية والانتخابية، وتسجيل أجانب في سجلات الناخبين، لتضخيم قاعدة تصويتية تخدم الكتل الانفصالية.
– يمتد التزييف إلى التعداد السكاني، الذي يُوظَّف سياسيًا لتغيير موازين النفوذ في المناطق الحساسة.
> سيناريو محتمل: استمرار هذا التزييف قد يؤدي إلى شرعنة تمثيل سياسي مزيف يُستخدم لاحقًا كغطاء قانوني لمشاريع التقسيم.
ثالثًا: التوسع الإداري واستغلال إرث التقسيمات القديمة
– تستغل الكتل الانفصالية التقسيمات الإدارية التي أُقرّت في عهد النظام البائد، والتي صُممت لأغراض أمنية تخدم مركزية السلطة.
– بقيت تلك الحدود دون مراجعة، ما أتاح استخدامها لتوسيع النفوذ تحت مظلة قانونية.
– بعض المحافظات تعرّضت لغبن إداري واضح، أدى إلى اختلال التوازن الجغرافي والسياسي.
> ضرورة وطنية: إعادة النظر في هذه الحدود لتصحيح مظالم تاريخية ومنع استخدامها كأداة لشرعنة مشاريع انفصال.
رابعًا: التمويل الخارجي ودعم سرديات التقسيم
– الإنفاق على شركات اللوبي لا يأتي فقط من موارد داخلية، بل يُغطَّى أحيانًا عبر مصادر خليجية أو أجنبية.
– يُستخدم هذا التمويل لتنسيق حملات إعلامية، وتنظيم لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، وصياغة تقارير تُقدَّم للكونغرس ووزارة الخارجية.
> سؤال مفتوح: ما مدى تأثير هذا التمويل على استقلالية القرار السياسي العراقي؟
خامسًا: الوسائل غير المشروعة وتحويل التمثيل إلى تمكين
تلجأ الكتل الانفصالية إلى أدوات غير مشروعة لتوسيع نفوذها، منها:
– تزييف التركيبة السكانية والتلاعب بالتعدادات
– تزوير الوثائق الرسمية والانتخابية
– التلاعب بسجلات الناخبين
– توظيف مؤسسات الدولة كغطاء قانوني لتكريس النفوذ
> النتيجة: تتحول مؤسسات الدولة من أدوات خدمة عامة إلى منصات تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية ضيقة تحت مظلة الشرعية الشكلية.
سادسًا: توصيات وطنية لتحصين القرار العراقي
- إلزام الكتل السياسية بالإفصاح عن أي تعاقد مع شركات لوبي دولية
- تأسيس مركز وطني لرصد نشاط اللوبيات الأجنبية وتأثيرها
- مراجعة دقيقة للسجل الانتخابي والتعداد السكاني في المحافظات الحساسة
- إعادة النظر في الحدود الإدارية وتصحيح الغبن الجغرافي
- دعم الإعلام الوطني لكشف السرديات المزيفة
- تعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة مدنية عادلة تحترم القانون وحقوق الإنسان
خاتمة:
القرار الوطني لا يُستورد
إن مستقبل العراق لا يُصاغ في مكاتب شركات الضغط في واشنطن، بل في مؤسساته الوطنية وعلى يد أبنائه.
الكتل الانفصالية التي تتعاقد مع هذه الشركات لا تبحث عن تمثيل، بل عن تفكيك.
ومواجهة هذا المشروع تبدأ بكشف أدواته، وتفكيك سردياته، واستعادة القرار الوطني من أيدي المتعاقدين مع الخارج.


