التاريخ بمختصر مضمونه، هو مايفعله الإنسان في مكان معلوم وزمن سابق ،أي أن التاريخ بمثابة معادلة ثلاثية الأطراف تقوم على خالدين متبدلين وفان ثابت : الزمن الممتد في المطلق والمتبدّل فيما يؤثر ويشهد ،وهو( الوعاء) الذي يسكب فيه الحدث فيستوعبه ويؤطره ، ثم الجغرافيا الخالدة تكويناً والمتغيرة معنى وعطاءاً وتأثيراً ، ويقصد بها: الجغرافيا ارتباطاً بالسياسة والدولة أولاً ، وبيئة واقتصاداً ثانياً ، أما ثالث أطراف المعادلة والأكثر حركية من بينها ، فهو (الإنسان) الفاني مصيراً ،و(الثابت) سعياً وطموحاً .
الزمان في تأثيره على الأشياء – الجامدة منها والحيّة – والمكان في حمله لتلك الأشياء ، ينوءان
في المحصلة بـ(حماقات) البشر وأفعالهم ،ولأن الزمن هو الأقوى من بينها ،فهو الوحيد الذي يمتلك بعداً افتراضياً إضافة الى انعكاساته المادية ، لذا يقع على عاتق الجغرافيا ( المكان ) بوجودها الحسّي المباشر ،العبء الأكبر مما يفعله الإنسان من وقائع وأحداث يطلق عليها تاريخاً بعد انقضائها،وأكثر أشكال التاريخ ظهوراً ومدعاة للاهتمام ،هو التاريخ السياسي بما يتضمنه من قيام الدول وزوالها وأعمال الملوك والقادة وما قاموا به من معارك وانتصارات وهزائم وانجازات ومآثر و ومجازر – الخ.
التاريخ السياسي للأمم
أما في الأمم الأخرى ،فأعظم تاريخ سياسي للأغريق ، هو ذاك الذي صنعه طغاتهم ، من طاغية سيراكوزا ، إلى الإسكندر المقدوني الذي طلب ان يعبد كإله ،كما ظهرت أبرز انجازاتهم الفلسفية والأدبية ،في عهود الطغاة كذلك ،فيما يدور التاريخ الروماني حول نيرون وإحراقه لروما ،وكاليغولا وتهتكه ويوليوس قيصر وفتوحاته ، أما تاريخ فارس ، فقد انهمك بتدوين سير الفاتح المنتصر قورش والخاسر المهزوم داريوس ،والملك المجنون قمبيز ، وصاحب الإيوان كسرى، في حين لايكاد يُذكر من التاريخ المصري سوى مافعله الفراعنة الذين لم يشتهر منهم سوى أسماء معدودة كخوفو وخفرع ومنقرع الذين خلدوا أسماءهم بمقابرهم الضخمة ( الأهرامات ) وإخناتون ببحثه عن الإله الواحد .
تاريخ الأمم في العصور الوسطى
أما عن تاريخ الأمم في العصور الوسطى ،فان أعظم فصول التاريخ الروسي ، تلك التي سجلها بطرس الأكبر وايفان الرهيب وكاترين جميلة الساقين ، وصولاً الى العصر الحديث وما تركه لينين وستالين وسواهم من قادة الحزب القائد .
وفي فرنسا وبريطانيا وألمانيا ،كان تاريخ لويس الرابع عشر والوزير الداهية ريشيليو والقائد الإمبراطور نابليون بونابرت هي الفصول الأكثر تجلياً في التاريخ السياسي الفرنسي ، فيما يتباهى البريطانيون بملوكهم العظام من هنري الثامن إلى ادوارد إلى اليزابيت ، وبقادتهم الكبار كرومويل ونيلسون ولينغنتون ومونتغمري وسواهم ، أما أكثر التاريخ الألماني إثارة ، فهو ماتركه كلّ من بسمارك وهتلر ، كذلك موسوليني في ايطاليا وفرانكو في اسبانيا ، يقابلهم ماوتسي تونغ في الصين -وهكذا .
ذلك هو التاريخ في أهم مفاصله شرقاً وغرباً ، يشذّ عن ذلك أمّم ثلاثة : واحدة غربية وأخرى شرقية
وثالثة أفريقية ،فالمفارقة أن البلد الذي طالما كان موضع النقد والاتهام في سياساته ونمط حياته (أمريكا) هو الوحيد في بلدان الغرب الذي لم يذكر مآثر قادة طغاة – بل ولم يعرفهم كذلك – فقد ابتدأ بمؤسسين صاغوا دستوراً ديمقراطياً توالت فصول تثبيته ، فذكر قادة من وزن جورج واشنطن وابراهام لنكولن وتوماس جيفرسون ودوايت ايزنهاور، وصولاً إلى جون كنيدي في العصر الحديث ، دستور مهدّ لانتخاب رجل أسود وأبن لمهاجر من أفريقيا ،ليكون رئيساً ، بعد ان كان السود مجرد أشياء لا حساب لها .
أما في الشرق ، فتاريخ الهند يورد الشخصية الأعظم الذي لم يكن طاغية ولم يسع ان يكون حاكماً مطلقاً (غاندي) – يناظره في أفريقيا نيلسون مانديلا وتاريخه الشهير- فيما يخلو تاريخ العراق تماماً ، من أية صفحات أو مجرد أسطر تناولت سيرة ملوك وقادة سوى الطغاة ، وفي عهدهم وصل العراق تاريخاً وجغرافيا الى عصوره الزاهية وكان آخرهم هارون الرشيد ، حيث كان زمنه تتويجاً لثاني أكبر انتصار للجغرافيا العراقية التي كانت بمثابة القطب الذي يدور حوله تاريخ الكثير من الأمم والشعوب . وإذا كان التاريخ هو الفعل في لغة الزمن ، فإن الجغرافيا هي المفعول به ، وبالتالي فالتاريخ في موقع الظالم ، فيما الجغرافيا كانت دائماً في موقع المظلوم ، لكن المفارقة في سيرورة التاريخ وعلاقته بالجغرافيا ، ان الجغرافيا كانت تنتصر مع انتصار الطغاة ،وتخسر بهزيمتهم ،أما التاريخ ، فهو (منتصر) في الحالتين ،رغم انه مجرد شاهد سلبي على الأحداث ، من دون ان يلعب دوراً في حصولها ، فيما تشارك الجغرافيا بفعالية في صنع الحدث والتأثير فيه ، بل والتحكّم بمساره أحيانا ،كمساهمة الجغرافيا الروسية بشتائها القارس ، في دحر جيوش نابليون ،وبعدها جيوش هتلر الغازية ، أو دور أدغال فيتنام في هزيمة أمريكا ، وغيرها من الوقائع .
لقد شهد التاريخ أن أول انتصار سجّلته الجغرافيا ، وقع بالعراق في عصور ما قبل الميلاد ،وذلك حينما اكتسحت جيوش الأكديين ،المناطق شرقاً وغربا وفرضت سيطرتها على مساحات شاسعة ، ثم استمر ذلك الإنتصار الجغرافي أيام الآشوريين والبابليين ، على رغم ان ملوك تلك الحقب كانوا جميعاً من الطغاة ، أما أول هزيمة كبرى للجغرافيا العراقية ، فكانت حين سقطت بابل بيد قورش الفارسي ، واستمرت مفاعيل الهزيمة قائمة على امتداد أزمنة طويلة قبل ان يعكس التاريخ أحداثه لتبنى بغداد قريبة من بابل ، ومن ثم تصبح مالكة لجغرافية هائلة الإتساع ، وهو الإنتصار الأكبر للجغرافيا العراقية عبر جميع العصور ، أما الخسارة الأعظم لتلك الجغرافيا، فقد كانت في عهد صدام حسين وفي نصره وهزائمه على السواء .
إنها المرّة الأولى في التاريخ العراقي ، التي تتعرض فيها الجغرافيا العراقية إلى هزيمة ساحقة ، ففي كلّ الحقب المتعاقبة عبر آلاف السنين ، كانت الجغرافيا تحتمل جيوش الغزاة على مختلف أشكالهم من دون ان تفقد رونقها ، إذ بقي فيها النهران بكامل عنفوانهما وبقيت الأرض على خصبها مستمرة بذلك إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وما تبعها ، حين بدأت تتآكل بفعل الهزائم ، ففي ذروة قوته وجبروته ، فرطّ صدام حسين بجزء من الجغرافيا لصالح الأردن أولاً، ثم خاض حربا ًمدمرة كي تستعيد الجغرافيا العراقية بعض منافذها وثغورها البحرية ، ومن ثم تنفض عنها بعض المآسي التي خلفها الإستعمار البريطاني بدءاً منذ ما قبل تأسيس العراق الحديث بجغرافيته المهزومة سلفاً ، بعد أن حوصرت باقتطاع بعض أذرعها لإنشاء كيانات جديدة أو ضمّها إلى بلدان أخرى ، فكتب في حبر الجغرافيا ،تاريخ آخر توالت فصوله الدامية التي ظهرت على شكل حربين متتاليتين ( الخليج الأولى والثانية ) تضاف إليهما سلسلة ( الحروب) الداخلية المتواصلة ، ماجعل التاريخ العراقي مشبعاً ب( الإنتصارات) المزعومة .
لكن قد يمكن تجاوز ما يسجّله التاريخ من هزائم وانكسارات ، بل ويمكن كذلك التغلب على النتائج التي تتركها تلك الهزائم ومن ثم تجاوزها ،كما فعلت أمم كاليابان وألمانيا وفرنسا وسواها ، ليصبح التاريخ في نهاية المطاف ، مجرد ذاكرة للأحياء أو غذاءً للكتب – حتى لو بقيت بعض امتداداته – لكن مالا يمكن تجاوزه هي هزائم الجغرافيا ،خاصة عندما تصاب بالشيخوخة والهرم .
باستطاعة التاريخ ان يجدد نفسه ليبقى فتياً – وتلك واحدة من خواصّة – لكن الجغرافيا تشبه الإنسان ، إذا ذهب شبابها فلن يعود ولو بالعديد من عمليات التجميل، والملفت في هذا الجانب ، ان الأرض العراقية احتفظت بحيويتها وشبابها أكثر من خمسين قرناً ، رغم كلّ مامرّ عليها من حروب وموت وولادات – بما فيها ولادة التاريخ ذاته ، وبكلّ تفرعاته وجوهه – لكنها دخلت مرحلة الشيخوخة والموات في أقلّ من أربعة عقود .


