قرار يُلغي النظام بدلًا من أن يُصدر التعليمات سقوط في التراتبية القانونية واعتراف صريح بغياب الخبرة الحكومية

قرار يُلغي النظام بدلًا من أن يُصدر التعليمات سقوط في التراتبية القانونية واعتراف صريح بغياب الخبرة الحكومية
إلغاء نظام صندوق التقاعد بحجة غياب التعليمات يكشف خللًا في احترام التراتبية القانونية، ويؤكد ضعف الخبرة الحكومية، مما يربك المؤسسات ويقوض الثقة العامة، ويستدعي إصلاح آليات التشريع وإشراك خبراء مستقلين لضمان الاستقرار القانوني والإداري...

القرار الأخير الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء بشأن إلغاء مشروع نظام صندوق تقاعد موظفي الدولة بحجة عدم وجود تعليمات نافذة لعمل هيأة التقاعد الوطنية، يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وإدارية عميقة تتعلق بمدى جدية الدولة في احترام التراتبية القانونية والقدرة على إدارة مؤسساتها وفق قواعد راسخة.

فالمنطق القانوني والإداري السليم يقتضي أن التعليمات تُصدر استنادًا إلى نظام، باعتبارها القاعدة الأدنى في سلم التراتبية القانونية (القانون ← النظام ← التعليمات ← الأوامر الإدارية). لكن ما حصل هو العكس تمامًا: أُلغِي النظام لأن التعليمات غير موجودة، وكأن التعليمات هي الأصل والنظام هو التابع، وهذا قلب للتراتبية القانونية رأسًا على عقب.

هذا التبرير لا يمكن اعتباره سوى محاولة لتسويق إخفاق حكومي واضح في صياغة القاعدة القانونية بالشكل الصحيح. إذ أن وجود نظام نافذ هو الذي يتيح للجهة التنفيذية إصدار التعليمات لتفصيله وتنظيم آلية تنفيذه. أما القول بأن النظام أُلغي بسبب عدم وجود تعليمات، فهو تبرير أسخف من القرار نفسه، ودليل على أن المستشارين والخبراء القانونيين في الحكومة عاجزون عن إدارة ملف بهذا الحجم والحساسية.

خلل في الفكر الإداري والقانوني

الأخطر من ذلك أن هذا القرار يعكس خللًا عميقًا في بنية التفكير الإداري والقانوني للدولة. فإذا كانت الحكومة غير قادرة على احترام أبسط قواعد التراتبية القانونية في ملف التقاعد، وهو ملف يمس شريحة واسعة من المجتمع (الموظفين والمتقاعدين)، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على إدارة ملفات أعقد، كالإصلاح الاقتصادي أو مكافحة الفساد أو إدارة السياسة المالية؟

انعكاسات اقتصادية وقانونية سلبية

ومن زاوية اقتصادية وقانونية، فإن إلغاء النظام بهذا الشكل يؤدي إلى إرباك المؤسسات المالية والتقاعدية ويزيد من المخاطر على الموارد المالية للدولة، إذ يفقد الموظفون والمتقاعدون وضوح حقوقهم والتزامات الدولة تجاههم. هذا الغياب للاستقرار القانوني يضعف قدرة الحكومة على جذب الخبرات الإدارية والاستثمار في تطوير القطاع العام، كما يفتح المجال أمام نزاعات قضائية مطولة قد تُكلف الدولة مبالغ ضخمة، ما يعكس هشاشة في التخطيط المالي والإداري.

إن هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري، بل هو شهادة إخفاق معلن في إدارة المنظومة القانونية للدولة، وإقرار ضمني بعدم قدرة على الاصلاح لدى المستشارين القانونيين في مجلس الوزراء. بدل أن يكون النظام أساسًا لإصدار التعليمات، أصبح ضحية غيابها. وما يترتب على ذلك هو فقدان الثقة في قدرة الحكومة على بناء قواعد قانونية متماسكة، ما ينعكس سلبًا على استقرار الدولة وثقة المواطن في مؤسساتها.

إعادة النظر في آلية إعداد القواعد القانونية، واعتماد التراتبية الصحيحة.

تفعيل دور مجلس الدولة كجهة تدقيقية حقيقية لا شكلية.

إشراك خبراء مستقلين في صياغة الأنظمة والتعليمات بعيدًا عن الروتين الحكومي.

بناء نظام قانوني محكم يضمن استقرار القرارات بدلًا من إرباكها ثم التراجع عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *