من الإصلاح إلى الاخفاق؛ كيف تتحول القرارات الحكومية إلى عبء على التاجر والمواطن؟

من الإصلاح إلى الاخفاق؛ كيف تتحول القرارات الحكومية إلى عبء على التاجر والمواطن؟
تكرار التأجيلات في إصلاحات الكمارك والضرائب أدى إلى إرباك التجارة وزيادة التكاليف وتعميق الفساد وفقدان الثقة. الإصلاح الفعلي يتطلب التزامًا بالمواعيد، تحديثًا رقمياً، تبسيط الإجراءات، شراكة مع القطاع الخاص، وتعزيز الشفافية لضمان استقرار السوق....

قرارات مؤجلة وأعباء متراكمة على التجارة والمواطن

من يطالع العمامات والقرارات الصادرة عن وزارة المالية والهيئة العامة للكمارك، يلاحظ أنها تصاغ دائماً بعبارات رنانة مثل “الإصلاح”، “التحديث”، و”تسهيل الإجراءات”، لكن عند التدقيق نجد أنها مجرد إعلانات شكلية تنتهي عادة بتأجيل جديد، كما حصل مع كتاب الهيئة الأخير المتعلق بتحديث بيانات الشركات في نظام الأسيكودا وتمديد الموعد النهائي إلى 1/11/2025.

هذا النمط من القرارات يعكس بوضوح أن الإصلاح الإداري في قطاع الكمارك والضرائب ما زال متعثرًا، وأن التاجر والمواطن هما من يدفعان ثمن هذه الارتباكات.

الآثار السلبية على أرض الواقع

  1. إرباك حركة التجارة

  • التاجر الذي يهيئ نفسه لإجراءات جديدة يجد أن الموعد قد أُجّل، فيتردد في إدخال بضائع جديدة أو إبرام عقود استيراد.
  • هذا يؤدي إلى تباطؤ في حركة البضائع بالمنافذ الحدودية، وتأخر وصول المواد إلى الأسواق.
  1. تكاليف إضافية على المستوردين
  • التأجيلات تخلق بيئة فوضوية تسمح بفرض رسوم غير رسمية أو “إكراميات” لتسهيل مرور البضائع.
  • هذه التكاليف تنتقل مباشرة إلى المواطن عبر ارتفاع الأسعار، خاصة في السلع الأساسية.
  1. إضعاف ثقة القطاع الخاص
  • القرارات المتناقضة تجعل التاجر ينظر إلى النظام كمجرد ورقة يمكن تغييرها بكتاب جديد، وليس منظومة مستقرة.
  • غياب الثقة يؤدي إلى تراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، ويجعل السوق العراقية أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية.
  1. تعميق الفساد الإداري
  • كلما طال أمد النظام الورقي والقرارات المؤجلة، ازدادت فرص التلاعب والابتزاز داخل المنافذ الكمركية.
  • غياب قاعدة بيانات دقيقة للشركات يفتح الباب أمام الشركات الوهمية واستغلال الثغرات في الاستيراد.

لماذا الإصلاحات غير مجدية حتى الآن؟

  • غياب الرؤية الاقتصادية: الإصلاحات تصدر بشكل جزئي ومجزأ، دون ارتباط برؤية استراتيجية شاملة.
  • ضعف البنية التكنولوجية: الاعتماد على الأسيكودا لم يرافقه تحديث شامل للبنية التحتية الرقمية أو تدريب الكوادر.
  • التأجيل كعادة إدارية: كلما اقترب موعد التطبيق تظهر عقبات جديدة تؤدي إلى تمديد، مما يفقد القرارات مصداقيتها.
  • انفصال القرار عن السوق: القرارات تصدر من المكاتب العليا دون دراسة معمقة لواقع التجار والمستوردين.

الحلول العملية المقترحة

  1. إلزامية المواعيد النهائية

  • وضع جدول زمني معلن لتنفيذ التحديثات، مع منع التمديد إلا بقرار وزاري مسبب يُنشر للرأي العام.
  • ربط إنجاز مراحل المشروع بمكافآت أو عقوبات إدارية للكوادر المسؤولة.
  1. إصلاح النظام الرقمي للأسيكودا

  • إنشاء منصة مركزية موحدة لربط جميع المنافذ الكمركية، وتحديث بيانات الشركات بشكل مباشر.
  • فرض تسجيل إلكتروني إلزامي يمنع إدخال أي شركة أو تاجر إلا عبر النظام.
  1. الشراكة مع القطاع الخاص

  • إشراك غرف التجارة في صياغةالانظمة و التعليمات التنفيذية، لضمان توافقها مع واقع السوق.
  • تشكيل لجنة مشتركة (وزارة المالية – الكمارك – القطاع الخاص) لمتابعة التنفيذ أسبوعياً.
  1. تبسيط الإجراءات

  • تقليل عدد الاستمارات والموافقات المطلوبة عند التسجيل أو التخليص الكمركي.
  • اعتماد التوقيع الإلكتروني والفاتورة الرقمية لتقليل الاحتكاك المباشر بين التاجر والموظف (للحد من الفساد).
  1. تدريب الكوادر وبناء قدرات

  • إطلاق برامج تدريبية لموظفي الكمارك على النظام الإلكتروني الحديث.
  • ربط الأداء الوظيفي بنتائج ملموسة في سرعة الإنجاز ودقة البيانات.
  1. الشفافية والإفصاح

  • نشر تقارير شهرية عن نسب إنجاز تحديث بيانات الشركات وعدد الملفات المكتملة.
  • إتاحة قاعدة البيانات بشكل علني للرقابة ومنع التلاعب.

إن الاستمرار في إصدار قرارات وعمامات تنتهي بتأجيلات لا يعني سوى تدوير الأزمة وتكريس الفوضى الإدارية. الإصلاح الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بتنفيذ خطوات عملية تضع مصلحة التجارة والمواطن في المقدمة.

إن التجار اليوم بحاجة إلى قواعد مستقرة وواضحة، والمواطن بحاجة إلى سوق مستقرة وأسعار عادلة، وهذا لن يتحقق إلا عبر إدارة صارمة، منظومة رقمية مؤتمتة، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *