فيلق بدر الظافر، بين ارث الجهاد، وتحديات الحاضر. خيار الإصلاح أم مآلات التراجع!

فيلق بدر الظافر، بين ارث الجهاد، وتحديات الحاضر. خيار الإصلاح أم مآلات التراجع!
يواجه فيلق بدر مفترق طرق بين ماضيه الجهادي العريق وتحديات الحاضر، إذ تسببت التحولات السياسية والضعف التنظيمي والابتعاد عن القاعدة الشعبية في تراجع وزنه. الإصلاح وتجديد القيادات باتا ضرورة حاسمة لبقائه ومكانته الوطنية....

•المراجعة والإصلاح أولى الخطوات:

فيلق بدر الظافر ليس تنظيما عسكريا، ولا حزبا سياسيا فقط، بل هو كيان متجذر في ذاكرة العراق الحديث، ارتوت جذوره بدماء الشهداء، يوم اختار أبناؤه طريق الجهاد المقدس ضد الدكتاتورية والطغيان.

منذ أن أبصر النور في ثمانينات القرن الماضي، حمل فيلق بدر راية المقاومة، فحاز في قلوب العراقيين، مكانة رمزية خالدة، عبر تضحيات عظيمة وجسيمة، في مواجهة النظام البائد، وثم في ملحمة الجهاد الكفائي المقدس.

لكن مع مرور السنين، وتراكم التحديات، أصبح “الفيلق” أمام امتحان داخلي صعب، فهل تملك قياداته شجاعة المراجعة والإصلاح؟

•من ساحات الجهاد إلى دهاليز السياسة:

بعد سقوط نظام البعث المجرم عام 2003، شارك فيلق بدر في تأسيس النظام السياسي الجديد، وساهم في كتابة الدستور، وشغل مناصب تشريعية، تنفيذية، وأمنية مؤثرة، وتسنم بعض اعضائه وزارات مختلفة، كما قدّم شخصيات سياسية بارزة كثيرة، لا مجال لذكرهم هنا.

لكن هذه المشاركة، وحسب الكثير من البدريين، تحولت تدريجيا إلى عبئ، عندما أدت الى:

– ابتعاد الفيلق عن جمهوره وقاعدته التي قدمت الشهداء والدماء في طريق الجهاد.

– انخراط بعض مفاصله والمحسوبين عليه في مسارات الفساد والمحسوبية.

-غياب التوازن بين الإرث الجهادي ومتطلبات السياسة.

وهكذا، وجد البدريون أنفسهم، على مفترق طرق، بين مجد الميدان الذي صاغ تاريخهم، وواقع السياسة الذي شوهت ملامح فيلقهم… فهل يستطيعوا أن يعيدوا روحه الأولى، وينفضوا الغبار عنه، ليعود صوتا للمضحّين ومدافعا عن المظلومين؟

•فرصة هزيمة داعش التي لم تغتنم:

قيادة فيلق بدر لمعارك التحرير ضد داعش، شكلت لحظة تاريخية مفصلية، حيث عاد كقوة منظمة وفعالة في ادارة الحشود الشعبية، وقدّم تضحيات جسيمة والاف الشهداء منهم قادة عظام كـ “المحمداوي، السكيني، الناصري”، وتوجت بشهادة مهندس الانتصارات، إلا أن هذه البطولات لم تُترجم إلى ثقة سياسية، اجتماعية، وشعبية، طويلة الأمد.

وقد أدى ضعف الأداء السياسي والخدمي، في الحكومة المركزية والحكومات المحلية، وقطع التواصل مع القاعدة الشعبية والاجيال الجديد من الشباب، إلى تآكل الرصيد الشعبي، وتراجع دور فيلق بدر من تيار قيادي منظم، إلى حزب تقليدي يعاني من الركود.

•أزمة بنيوية، عقم تجديد، وشلل يتمدد:

ان التحدي الأكبر، الذي يعاني منه فيلق بدر اليوم، هو غياب مشروع التجديد الداخلي، وانعدام الكوادر الوسطية، ولا تزال قيادته محصورة في جيل الحرس القديم، دون تمكين واضح لقيادات شابة جديدة.

كما ان الخطاب السياسي لهذه القيادة لا يزال قديما، ويستخدم ادوات بالية، لا ترتقي للمرحلة، ولا تستطيع اللحاق بالوعي الجماهيري الذي يتغير ويتطور بسرعة تستدعي المواكبة.

إضافة الى ان الأداء السياسي، والإداري، في المناطق التي تحظى بنفوذ بدري، لم ترتق الى تطلعات المواطنين، ولم تلبي طموحات القاعدة الشعبية لبدر نفسه.

• المعادلة الانتخابية، تراجع متواصل:

تشير نتائج الانتخابات إلى أن بدر تفقد تدريجيًا جزءًا من وزنها السياسي ففي انتخابات 2018، وهي ذروة الانتصار على داعش، حصل تحالف الفتح برئاسة بدر على 48 مقعدًا، لكنه لم يكن ممثلًا ببدر وحده، بل كان يضم عددًا من الحركات والكيانات السياسية الأخرى، من أبرزها، عصائب أهل الحق، وسند، والمجلس الأعلى الإسلامي، وغيرها، وتوزعت هذه المقاعد بينهم.

في انتخابات 2021، تراجعت حصة تحالف الفتح إلى 17 مقعدًا فقط “قبل انسحاب الكتلة الصدرية”، مما شكل صدمة تنظيمية وبيانية لفشل إدارة التحالف الذي يترأسه “بدر” في الحفاظ على قاعدته الشعبية.

اما في انتخابات مجالس المحافظات لعام 2023، حصل تحالف “نبني” الذي يقوده بدر على 43 مقعدًا من أصل 285 مقعدًا مخصصة للمحافظات، لكن هذه المقاعد لم تكن جميعها من نصيب بدر، بل توزعت أيضًا بين قوى نبني المختلفة، ووفق معلوماتي ان لم “أكن مخطئا” كان لبدر فيها اقل من 19 مقعد، مما يعكس استمرار تراجع وزنه النسبي حتى ضمن الكتل الحليفة.

•هل تملك قيادة بدر شجاعة التجديد؟:

كلنا ندرك ان التاريخ لا يصنعه الماضي فقط، بل يصنع بالقرارات الجريئة في اللحظات الحاسمة ايضا، وأمام قيادة فيلق بدر اليوم خياران لا ثالث لهما:

– إما التشبث بالماضي والاستمرار في التراجع، والاضمحلال تدريجيا.

– أو فتح الأبواب أمام المراجعة، والنقد الذاتي، وتجديد القيادات والخطاب.

والانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق سياسي، بل امتحان وجودي، وإذا لم تبادر قيادات بدر إلى إصلاحات داخلية سريعة، فإن الصناديق قد تتولى المهمة بدلاً عنهم، وسيكون الثمن باهضا جدا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *