قــــــوة القــانــــون

قــــــوة القــانــــون
يركز النص على وصايا الإمام علي في ترسيخ سيادة القانون وصلاح ذات البين، منتقدًا التجربة العراقية بعد 2003 حيث غابت المساواة وتفشى الفساد، مع التأكيد أن نزاهة الانتخابات تتحقق فقط بتطبيق القانون بعدالة على الجميع دون ازدواجية....

ليس هناك أسمى من القانون في حياة الإنسان؛ فبدونه تصبح الحياة غابة، ويكون هدف العيش الأول والأخير فيها هو الصراع من أجل البقاء، طبقا لنظرية الغاب، وبخلافها أو على النقيض منها هو ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات عندما انفصل عن المملكة الحيوانية وخصص لنفسه وعياً ذاتياً، ثم طورته النواميس الدينية والظواهر الطبيعية بطرق عقلانية ونفسية وتجريبية.

وهو على فراش الموت أوصى #الإمام_علي “بــنظم الأمـــر”، وهو الرجل المؤثر الثاني بعد الرسول محمد في تقعيد أو تنظيم الحياة الإسلامية – أي وضع قواعد ثابتة وخالدة للمجتمع الإسلامي – وقال: ( عليكم بنظم أمركم وصلاح ذات بينكم)، ونظم الأمر يعني بالدرجة الأساس الاهتمام بالضوابط التي يجب أن تسير بها الحياة الاجتماعية، وأن تُطبق هذه الضوابط على الجميع، أما صلاح ذات البين فيعني كأولوية إنسانية أن لا تتفوق العدوانيات التأزيمية على الاعتدال والسلم في #الحياة_العامة أو بين جماعة معينة، وبالرغم أن ليس هناك ما هو أقوى من #الصلاة كشعيرة عبادية في الإسلام لأنها التطبيق الأساسي لمبدأ التوحيد؛ فإن #الإمام_علي اعتبر إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، سيراً على طريقة #النبي_محمد في رعايته للصلح كبديل عن الاحتراب والاستعداء. ثم ينتقل الإمام علي في وصيته الأخيرة ليتحدث عن أمر غاية في الخطورة والاهمية وهو تطبيق العقوبة على القاتل، فيقول: (يا بنى عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون قُتل أمير المؤمنين، قُتل أمير المؤمنين! ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور). وقد لاحظت في هذا النص الوارد عن الامام علي عدداً من التوضيحات لكيفية التعامل القانوني مع القاتل المتلبس بالجريمة وعن كيفية التعامل مع جريمة القتل، فالعقوبة فيها شخصية، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وفي تطبيق هذا المبدأ ابتعاد تام عن الثأر المفرط والاكتفاء بتطبيق القصاص لأن فيه سلامة للمجتمع.

وهنا لنا وقفتان هامتان مع حديث الإمام علي ومقولاته في أعلاه :

الأولى: التأسيس المبكر لقوة الفعل القانوني وعدم استغلال هذا الفعل للمصالح الخاصة، وهذه المبادئ من أصعب ما تتعرض له المجتمعات المعاصرة، لقد سكنت الازدواجية في زوايا النفوذ السياسي والديني لتغذي باستمرار القفز على استقلالية الفعل القانوني، وأطاحت بالكثير من المحاولات الفكرية والواقعية لتعزيز الاستقلالية الحقيقية عند تطبيق القانون.

الثانية: اللطيف في كلام الإمام علي، أنه على جلالة قدره، لا يستقل برأيه، بل يسند كل ما يقوله لرجل الدعوة الأول #الرسول_محمد بن عبد الله، الذي هو الحقيقة الأولى كالشمس الساطعة في رابعة النهار في الادبيات الإسلامية، وهذا السلوك الأخلاقي للإمام علي يبين مدى أهمية الالتزام الشامل لكل أفراد النظام مهما علت قيمتهم بقيم النظام وضوابطه وإشاعة مخاطر تطبيقاته المزدوجة، أو ممارسة سياسة #الكيل_بمكيالين.

هذا المنحى الذي حاول الإمام علي تأسيسه والحث على تطبيقه كان أولى الناس بالتنبه له هي المجتمعات الإسلامية، ونحن في العراق بعد العام 2003 كنا بحاجة شديدة لمثل هذه المفاهيم الحيوية الخالقة لأسس الحياة الإنسانية من أجل صناعة مداميك وأسس صلبة للدولة العادلة، فهل من المعقول أن مجتمعاً كان يعاني من القمع والتنكيل والازدواجية القانونية في عهد البعث الصدامي؛ ثم يهدر سياق هذه المظلوميات التاريخية ويعود لممارسة نفس الأفعال السابقة لهدف واحد فقط وهو البقاء في السلطة! إن هذا التردي السياسي والقانوني سيعتبر #تراجيديا_مأساوية وغنوصية نفسانية تنبأ عن اعتلال عميق في الشخصية العراقية، وهذا أمر مؤسف لا يعيش ظنكه إلا من وعى أهمية وضرورة التدرج في الكمالات الاجتماعية للوصول إلى #التقدم_الحضاري، وليس التسافل في الازدواجيات والنفاقيات التي هي سبب أساسي وعامل رئيسي لسقوط المجتمعات وخواء الدول والحكومات.

يموج #المجتمع_العراقي بالكثير من الأحداث التي بمجموعها تشكل عبئاً على مسار الدولة، وبعض هذه الأحداث سيتولد عنها ردود فعل اجتماعية تؤثر بشكل مباشر على الديمقراطية والحياة المدنية، كما في الإجراءات التي تسبق #العملية_الانتخابية المرتقبة، تلك العملية التي بدأت تظهر الحُمى بخصوصها شيئاً فشيئاً كلما اقترب موعد إجرائها.

إن #الانتخابات في العراق ليست مجرد عملية انتخابية تعزز التداول السلمي للسلطة، ولا هي طريقة لتطبيق البرامج السياسية فقط، هي عند أغلب القوى السياسية مسألة وجود، وهذه الفكرة تتغذى على الطائفية والمناطقية ويرتبط بها أخطر الآفات التي تعوق قوة مؤسسات الدولة (الفساد – المليشيات – التدخلات الخارجية) بصورة أكثر وضوحاً؛ يقال للناس: (اذا لم تنتخبونافسيأتي بديل عنا يسلبكم كل ما بأيديكم) وهنا تكمن العقدة الوجودية في العملية الانتخابية.

 إجراءات الانتخابات: إيجابيات وسلبيات

لقد قامت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالعديد من الإجراءات التي تُرتب أوراق العملية الانتخابية، وبعض هذه الإجراءات بمساعدة مؤسسات الدولة الأخرى كمجلس القضاء الأعلى، بل وحتى بالتعاون مع مؤسسات #السلطة_التنفيذية كوزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني، وهذا العمل الاجرائي من المتوقع أن يعطي قوة للقانون، ويحمي العملية الانتخابية من الاختراقات السياسية، وهذه مسألة إيجابية عظيمة تدعم نشاط #بناء_الدولة. لكن ذلك لن يحصل في الحالات التالية:

الحالة الأولى: إذا استُغلت هذه الإجراءات لصالح جهات سياسية معينة، وهناك مؤشرات محدودة توحي بوجود نمط من الاستغلال.

الحالة الثانية: إذا كانت هذه الإجراءات تُطبق بازدواجية على المواطنين المرشحين للانتخابات، وهناك ما يوحي أيضاً بوجود كيل بمكيالين في الواقع.

الحالة الثالثة: إذا كانت هذه الإجراءات جزئية وليست شاملة، أي تستثني مفاصل حكومية معينة من المحاسبة، كما في ضرورة وضع حد لاستخدام موارد الدولة بالدعاية الانتخابية وشراء الذمم، وهذا الأمر حاصل حالياً بقوة.

لذلك يجب مراجعة هذه الحالات ومعرفة ما إذا كانت موجودة أم لا؟

استبعادات مفوضية_الانتخابات

إن الاستبعادات التي قامت بها #مفوضية_الانتخابات استعداداً للعملية الانتخابية المقبلة هي استبعادات غير مسبوقة، وهي أيضاً متعددة الأسباب، ولكن ثلاثة أسباب تعد هي الرئسية التي ارتكزت عليها حالات الاستبعداد:

السبب الأول: تتعلق بالمساءلة والعدالة (إجتثاث البعث سابقاً).

السبب الثاني: القيود الجنائية، ومنها الجرائم المخلة بالشرف وفقاً لقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969.

السبب الثالث: حسن السيرة والسلوك.

وهنا لابد أن نؤشر ايجابيتين وسلبيتين على ظاهرة الاستبعادات:

الأولى: إن هذه الاستبعادات ليست #طائفية أو منفعلة بها، لأنها طالت مرشحين من كل المشارب والخلفيات الاجتماعية، على عكس استبعادات سابقة طالت شخصيات معينة لأنهم ينتمون لخلفيات مكوناتية محددة.

والثانية: أظهرت هذه الاستبعادات نوعاً من التشدد في قبول الترشيحات استناداً على التقصي المعلوماتي الواسع الذي قامت به الجهات المعنية، وهذا يعني تطور الإمكانيات الفنية والتكنولوجية والتوثيقية لدى مؤسسات الدولة، مما يؤدي إلى تفوق #العدالة على الجريمة مستقبلاً، وقدرة الجهات المختصة على المراقبة والمحاسبة. لقد عادت بعض أجهزة الدولة في عملية التدقيق في السير الذاتية والمهنية سنوات طويلة إلى الوراء لتكتشف ثغرات في عملية تسجيلهم كمرشحين للانتخابات، وهذا أمر في غاية الأهمية والايجابية.

اما السلبية الأولى: فهي عدم وجود معيار لحسن السيرة والسلوك، وقد نشأت عن ذلك انتقادات واسعة لعدد من الاستبعادات كونها غير واضحة الأسباب.

والسلبية الثانية: تتمثل في وجود #ازدواجية في تطبيق بعض الإجراءات، ومرة تكون هذه الازدواجية غير معروفة الدوافع، وأحياناً تكون واضحة الدوافع، وبشكل أوضح لاحظ المراقبون وقوع إجراء الاستبعاد على مرشح معين تنطبق أسباب الاستبعاد على غيره أيضاً ولكنه لم يُستبعد، خصوصاً في مسألة حسن السيرة والسلوك وتحديداً في جزئية التعبيرات الطائفية والعنصرية.

أما الاستبعاد بسبب عدم اكتمال أوراق المرشحين المطلوبة ضمن الفترة الزمنية المحددة للتسجيل، أو اكتشاف خلل في سلوكيات القوائم الانتخابية، فهذه مسائل إدارية لا علاقة لها بموضوعنا، إلا إذا كانت تشوبها التعطيلات المقصودة بدوافع سياسية أو تنافسية.

إن #قوة_القانون تتحقق من خلال تطبيقه على الجميع، وأي ازدواجية أو محاباة ستصنع خضوعاً للقانون وليس احتراماً له والتزاماً به، وهذا المسار (الخضوع) لن يستمر طويلاً وستنفجر الأوضاع عند أول ضعف لمؤسسات الدولة، لأن مسار القوة والإخضاع سيستبطن مظلوميات تبقى #كامنة إلى أن يأتي الوقت المناسب الذي ستظهر فيه إلى العلن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *