أساليب تضخيم القاعدة الانتخابية في العراق من الدعاية إلى التزوير

أساليب تضخيم القاعدة الانتخابية في العراق من الدعاية إلى التزوير
تكشف التجارب الانتخابية كيف تتحوّل من أداة ديمقراطية إلى ساحة للتلاعب، عبر استغلال الخدمات، صناعة الفقر، شراء الولاءات، الدعاية المضلِّلة والتزوير، مما يُفرغها من معناها السياسي ويقوّض الشرعية القائمة على العدالة والثقة والمشاركة الحرة....

تمهيد:

الانتخابات، في أصلها، وسيلة حضارية لانتقال السلطة سلمياً وتجديد الشرعية عبر الإرادة الشعبية. غير أنّ التجربة الميدانية تُظهر كيف تتحوّل أحياناً إلى ساحة مناورات تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق العقد الاجتماعي. ولعلّ أخطر ما يُلاحظ هو سلوك بعض المرشحين الذين لا يكتفون بالتنافس السياسي المشروع، بل يذهبون إلى أساليب ملتوية، تجعل من العملية الانتخابية مسرحاً للتلاعب بالعقول والضمائر، وتفرغها من مضمونها الديمقراطي.

أولًا: الخدمات كأداة ابتزاز:

من منظورٍ نقديّ، يذكّرنا الأمر بما تحدّث عنه الفيلسوف ميشيل فوكو عن “إنتاج الطاعة عبر التحكم بالموارد الحيوية”. فالخدمات العامة ـ من ماء وكهرباء وتعليم وصحة ـ ليست منّةً من السياسيين، بل هي حقوق مدنية مكفولة بالقانون والدستور. لكن بعض المرشحين يلبسون ثوب “المانح”، فيحوّلون الحق إلى هبة، والمواطن إلى تابعٍ ممتن، لا شريك في العقد السياسي. هنا تتحوّل الدولة إلى مزرعة انتخابية، حيث تُوزَّع الحصص مؤقتاً، لا من أجل التنمية، بل من أجل التصويت.

ثانيًا: صناعة الفقر لإسكات الصوت:

ينبّه علماء الاجتماع إلى أن الفقر ليس ظاهرة طبيعية بقدر ما هو “بنية مصنوعة” تعكس اختلالات في توزيع الثروة والفرص. وعندما يُترك المواطن أسير الحاجة اليومية، ينكمش وعيه السياسي إلى مستوى “البقاء البيولوجي”، فلا يعود معنياً بالمسارات الكبرى للدولة. إنّ الفقر، في هذا المنظور، ليس مجرد عجز اقتصادي، بل أداة سياسية لإضعاف الصوت الشعبي، ولإبقاء الجماهير في حالة من الانشغال الدائم بلقمة العيش، يسهل معها التحكم بخياراتهم الانتخابية.

ثالثًا: شراء الولاءات وحجز البطاقات:

من أخطر الأساليب الملتوية التي ابتكرها بعض المرشحين “سوق البطاقات الانتخابية”: تُشترى، أو تُحتجز، أو تُوزَّع المساعدات مقابلها، بحيث يُمنع الناخب من التصويت بحرية أو تُستغل بطاقته لصالح غيره. إنها عملية إلغاء للذات الانتخابية للمواطن، وتحويله إلى “جسد رقمي” يضاف إلى رصيد المرشّح، بلا رأي ولا إرادة. الفيلسوفة حنّة آرندت كانت تصف هذا النوع من الممارسات بـ”إفراغ الفعل السياسي من جوهره”، حيث يصبح التصويت مجرد حركة ميكانيكية محكومة بالرشوة أو الإكراه.

رابعًا: الدعاية المضلِّلة وتضخيم القاعدة:

لا يقف الأمر عند حدود المساعدات والبطاقات، بل يتعداه إلى ما يمكن تسميته “هندسة القبول الاجتماعي“. فبعض المرشحين يضخّمون قواعدهم عبر وسائل الإعلام الموجّهة، ويستعينون بحملات مصطنعة على شبكات التواصل، تُشيع صورةً مثالية عنهم، وتُقصي أي صوت ناقد. إنها ممارسة تقترب مما حذّر منه يورغن هابرماس في حديثه عن “تشويه الفضاء العمومي”، حيث يُختطف الحوار العام لصالح خطابٍ دعائي يُصادر التنوع والتعددية.

خامسًا: التزوير كذروة الانحراف:

حين تفشل كلّ الوسائل السابقة، يبقى سلاح التزوير المباشر: التلاعب بسجلات الهوية، أو اختلاق أصواتٍ غير موجودة، أو إدخال عناصر أجنبية إلى القوائم الانتخابية. هذه الممارسات لا تخرّب فقط نزاهة الاقتراع، بل تهدد الأمن القومي ذاته، لأنها تُعيد تعريف من هو “المواطن” ومن يملك حق المشاركة في تقرير المصير. هنا يصبح التزوير ليس مجرد جريمة انتخابية، بل جريمة بحق المجتمع، لأنه يقوّض أساس التعاقد الوطني.

خاتمة:

ما بين الدعاية المضلّلة، واستغلال الخدمات، وصناعة الفقر، وحجز البطاقات، وصولاً إلى التزوير، تتكشف سلسلة متكاملة من الأدوات التي يستخدمها بعض المرشحين لتضخيم قاعدتهم الانتخابية. غير أنّ كل هذه الأساليب، مهما بدت فعّالة لحظة الاقتراع، لا تبني شرعية حقيقية، ولا تؤسس لعقد اجتماعي متين. الشرعية، كما يؤكد الفلاسفة النقديون، لا تُشترى بالمال ولا تُصنع بالإكراه، بل تُبنى على الثقة والعدالة والمشاركة الحرة. وأيّ عملية انتخابية لا تقوم على هذه الأسس، ليست إلا إعادة إنتاج للهيمنة بوسائل جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *