المنافذ الحدودية بين الشعارات الحكومية وواقع الفوضى
زيارة رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني إلى هيئة المنافذ الحدودية جاءت محمّلة بسيل من التصريحات عن “الأتمتة”، “الحوكمة الإلكترونية”، و”تعظيم الإيرادات غير النفطية”. وهي عناوين إصلاحية تبدو واعدة على الورق، لكنها سرعان ما تتهاوى أمام حقائق الميدان، حيث الفساد والتهريب والازدواجية في الصلاحيات ما تزال هي السمة الأبرز.
الأتمتة.. شعار بلا مضمون
منذ سنوات تُرفع لافتة “الأتمتة” و”نظام الأسيكودا” كحل سحري لمشاكل المنافذ. لكن التجار والغرف التجارية يشكون باستمرار من أن النظام غير مكتمل، ولا يرتبط فعلياً بالبنك المركزي أو الضرائب أو الجمارك.
النتيجة: معاملات ورقية مرهقة، وفواتير وهمية تُضخّم الاستيرادات وتُخفي الرسوم الحقيقية.
أرقام متضاربة.. وواقع مكشوف
رئيس مجلس الوزراء أشار إلى أن الاستيرادات تتجاوز 70 مليار دولار سنوياً، وأن الحكومة تستهدف الوصول إلى 20% من الإيرادات غير النفطية عبر المنافذ.
لكن الواقع يفضح هذه الأرقام: إيرادات المنافذ الفعلية أقل بكثير مما يُفترض أن تكون، في ظل التهريب الجمركي الواسع، وشبهات عن سيطرة مفوذ جماعات سياسية ومسلحة على بعض المنافذ التي تُدار كـ”إقطاعيات اقتصادية”.
تناقضات حكومية متكررة
- أمس قيل إن المنافذ تعاني فساداً واسعاً، واليوم يقال إنها حققت إنجازات.
- أمس اعترفوا أن نظام الأسيكودا مجرد “واجهة شكلية”، واليوم يوصف بأنه “إصلاح هيكلي”.
- الحكومة تؤكد محاربة التهريب، بينما الأسواق غارقة ببضائع تدخل دون رسوم أو مواصفات قياسية.
هذا التضارب لا يُفقد المواطن الثقة فحسب، بل يرسل إشارات سالبة للتجار والمستثمرين الذين يرون أن بيئة العمل غير مستقرة، وأن الدولة تتحدث بلغة وتتصرف بلغة أخرى.
الأمن الغذائي والدوائي.. شعارات مؤجلة
الحكومة ربطت عمل المنافذ بالأمن الغذائي والدوائي. لكن المواطن يلمس العكس: أدوية مقلدة في السوق، ومواد غذائية رديئة تتدفق من دون رقابة حقيقية. أين دور “الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية” الذي قيل إنه شريك أساسي؟ وأين الرقابة الفعلية التي تمنع دخول البضائع المضرة بالصحة؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا
لا يكفي الكلام عن التكنولوجيا والحوكمة الرقمية. المطلوب:
1.ربط إلكتروني متكامل بين المنافذ، البنك المركزي، الجمارك، والضرائب لضمان تطابق الفواتير مع التحويلات المالية.
2.تحرير المنافذ من قبضة القوى النافذة التي تحولت إلى حواجز سياسية واقتصادية أمام الإصلاح.
3.تدقيق شهري شفاف لبيانات الإيرادات، يُنشر علناً ويخضع لمراجعة ديوان الرقابة المالية.
4.إشراك الغرف التجارية في الرقابة والتقييم باعتبارها جهة مهنية تمثل المستوردين وتعرف واقع السوق.
كلمة للرأي العام
ما يريده المواطن ليس “شعارات الأتمتة” ولا “أحلام الإيرادات”، بل نتائج ملموسة:
أسعار مستقرة، بضائع آمنة، وإيرادات حقيقية تدخل الموازنة بدل أن تتبخر في جيوب الفاسدين.
ما لم يتحول الخطاب إلى فعل، ستبقى المنافذ عنواناً آخر للهدر والفساد، مهما تكررت الوعود.


