من خريطة الجيب إلى خريطة القارة: إسرائيل تتخيل نفسها إمبراطورية

من خريطة الجيب إلى خريطة القارة: إسرائيل تتخيل نفسها إمبراطورية
المشروع التوسعي الإسرائيلي الذي يروّج له نتنياهو تحت شعار "إسرائيل الكبرى" يقوم على أوهام توراتية، لكنه يواجه عقبات كبرى كالقانون الدولي، التركيبة السكانية والمقاومة، ما يجعله تهديداً للاستقرار ويعمّق عزلة الكيان دولياً وإقليمياً....

منذ ولادتها في منتصف القرن الماضي، وإسرائيل أشبه بطفل مدلّل في حضن الغرب، يعيش في مساحة صغيرة لكنه يحلم أن يلعب في ملعب الآخرين. لكن هذا الطفل كبر، وصار يتحدث عن “إسرائيل الكبرى”، وكأن مساحة فلسطين المحتلة لم تعد تكفيه، فصار يمد أصابعه باتجاه الأردن وسيناء والجولان ولبنان… وربما أبعد من ذلك.

حديث نتنياهو الأخير عن “مهمة تاريخية” ليس زلة لسان، ولا خطبة دينية، بل رسالة واضحة بأن الخيال التوراتي ما زال يهمس في أذن السياسة الإسرائيلية. وهذه ليست أول مرة يظهر فيها هذا الهوس؛ منذ 1967 وإسرائيل تمشي على خيط التوسع، تزرع مستوطنات وتعيد رسم الخرائط بخطوط وهمية تنتظر اللحظة المناسبة لتصبح رسمية.

المسألة ليست جغرافيا فقط، بل هوية وذاكرة

إسرائيل تعيش على وهم أنها وريثة ممالك توراتية منتهية الصلاحية، وترى في السيطرة على “أرض الآباء” واجبًا مقدسًا. وفي نظر قادتها، الأمن لا يتحقق إلا بابتلاع أكبر قدر ممكن من الأرض، حتى لو كان ذلك يعني العيش وسط بحر من العداء.

لماذا الآن؟

الحرب على غزة منحت نتنياهو فرصة ذهبية ليعيد تسويق نفسه زعيمًا تاريخيًا، وليغازل اليمين الديني المتطرف الذي يحلم بإسرائيل تمتد من المتوسط حتى مشارف مكة. العالم مشغول، العرب منقسمون، والدعم الأميركي كالماء الذي لا ينقطع عن مزرعة الاستيطان.

لكن… الحلم الكبير يواجه كوابيس كبيرة

أولها القانون الدولي الذي يضع إسرائيل في خانة الدولة المارقة. ثانيها معضلة السكان: بين النهر والبحر اليوم نحو 15 مليون إنسان، نصفهم تقريبًا فلسطينيون، وأي ضم شامل يعني إما دولة ثنائية القومية أو نظام فصل عنصري مكشوف أمام العالم. وثالثها المقاومة التي لم تنكسر رغم الحصار والحروب.

وعليه، يبدو المشروع التوسعي الإسرائيلي وكأنه يحفر قبره بيده؛ فالشعارات التوراتية والإيماءات التوسعية، وإن حققت مكاسب سياسية داخلية على المدى القصير، إلا أنها تزيد من عزلة الدولة الاحتلالية وتفضح طبيعتها الاستعمارية أمام الرأي العام العالمي، الذي بات يرى في “إسرائيل الكبرى” تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي والدولي. إن الاستمرار في هذا النهج لن يولد سوى مزيد من المقاومة والتشرذم، وسيعمق الفجوة بين الخطاب الصهيوني الأسطوري والواقع الجيوسياسي الذي يرفض انبعاث إمبراطوريات من مخيلة التاريخ. إنها معادلة وجودية تخسر فيها إسرائيل رهان الزمن، فالشعوب قد تنام ولكنها لا تموت، وحلم التحرر أقوى من كل خرائط الطغيان.

النتيجة المتوقعة

إسرائيل قد تستمر في الضم الزاحف: بيت هنا، مستوطنة هناك، جدار جديد، أوامر عسكرية، حتى تجد نفسها مسيطرة على كل الضفة الغربية والقدس الشرقية دون أن تعلن ذلك رسميًا. أما التمدد خارج حدود فلسطين التاريخية، فسيظل حتى إشعار آخر جزءًا من خطاب انتخابي وأحلام مراهقة سياسية، لا أكثر.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأطماع لا تموت، وأن الخرائط أحيانًا تكبر في العقول قبل أن تكبر على الورق. ولعلنا يومًا نسمعهم يطالبون بمدن الحجاز بحجة أن أجدادهم مرّوا من هناك في زمن غابر… وعندها سيكتشفون أن من يمد يده أكثر من اللازم، قد يخسر ما في يده أصلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *