لو نظرت إلى المواقع الاقتصادية والاستراتيجية الرئيسية عبر جميع أنحاء أفريقيا: الموانئ والممرات التجارية الرئيسية، والمناجم التي تنتج المعادن الأساسية، ومشاريع الطاقة المتجددة الكبيرة، ستجد الإمارات العربية المتحدة.
مع قيام الولايات المتحدة، وبدرجةٍ أقل الصين، بتقليص استثماراتهما ومساعداتهما ووجودهما في القارة الأفريقية، تستخدم الإمارات العربية المتحدة ثروتها ونفوذها الهائلين لملء الفراغ.
شهدت استثمارات دول الخليج العربي في أفريقيا، وخاصة من قبل دولة الإمارات، طفرة في السنوات الأخيرة. منذ عام 2019، تم الإعلان عن صفقات بقيمة 110 مليارات دولار، معظمها من قبل شركات متحالفة بقوة مع السلطات الحاكمة، مما يجعل المبالغ التي تعهدت بها أي دولة أخرى ضئيلة بالمقارنة.
تقول السيدة آنا جاكوبس، الزميلة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن: “تتحول الإمارات العربية المتحدة إلى لاعبٍ أجنبي مُهيمن” في معظم أنحاء أفريقيا.
استراتيجيات الإمارات في أفريقيا
أضافت السيدة جاكوبس كذلك أنه من المرجح أن تتعزز جهود دولة الإمارات لتصبح دولة ذات نفوذ عالمي، وخاصة في مجالي التمويل والتكنولوجيا، في عهد الرئيس دونالد ترامب. من خلال سعيه لجذب الأموال الإماراتية إلى الولايات المتحدة، مهد الرئيس ترامب أثناء زيارته للإمارات العربية المتحدة في شهر آيار (مايو) الماضي الطريق لبيع رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة للإمارات.
تُعدّ استثمارات الإمارات الواسعة النطاق وجهودها الرامية إلى أن تصبح رائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي جزءًا من خطة طموحة لزيادة نفوذ البلاد، لا سيما في مجال سلاسل التوريد العالمية.
ومثل غيرها من الدول المُنتجة للنفط في منطقة الخليج، تسعى الإمارات إلى تنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد التام على مصادر الوقود الأحفوري، وترى في أفريقيا جزءًا أساسيًا في خطتها. تتمتع القارة الشاسعة بموارد معدنية هائلة، وتزايدٍ سكاني، وإمكانات زراعية، وموقع استراتيجي مهم يُطل على البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى المحيطين الهندي والأطلسي. تنتشر شركات إماراتية قوية مقرها دبي وأبو ظبي، ولها صلات سياسية مع الحكومة، في عشرات الدول في جميع أنحاء أفريقيا.
تقوم شركة AMEA Power بالفعل ببناء أو تشغيل محطات طاقة نظيفة في بوركينا فاسو وجيبوتي ومصر وإثيوبيا وساحل العاج وكينيا والمغرب وجنوب أفريقيا وتوغو وتونس وأوغندا، ولديها خطط للتوسع في دولٍ أخرى. لدى شركة أبو ظبي الوطنية للطاقة مشاريع في المغرب والسنغال وجنوب أفريقيا، وتشارك في مشروع لاستثمار 10 مليارات دولار في مجال الطاقة المتجددة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
استثمرت شركة موانئ دبي العالمية، الشركة العملاقة للموانئ والخدمات اللوجستية المدعومة من الحكومة الإماراتية، مليارات الدولارات في موانئ ومناطق اقتصادية حرة من الجزائر إلى زامبيا، بما في ذلك ميناء مدينة بربرة الساحلية في جمهورية أرض الصومال الانفصالية، حيث توجد قاعدة عسكرية إماراتية. وفي الصيف الماضي، أعلنت الشركة أنها ستنفق 3 مليارات دولار أخرى على موانئ في أفريقيا على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.
تراجع الصين وصعود الإمارات
في العام الماضي، استثمرت الشركة الإماراتية الدولية القابضة أكثر من مليار دولار أمريكي لشراء حصة 51% في مناجم موباني للنحاس في زامبيا. كما ارتفع الإنفاق في مصر بشكل كبير. ففي العام الماضي، وافقت الإمارات على استثمار 35 مليار دولار أمريكي لتطوير مدينة جديدة ووجهة سياحية على ساحل مصر المتوسطي.
تزايدت الاستثمارات الإماراتية في أفريقيا مع تراجع الاستثمارات الصينية. فبعد أن كانت الصين أكبر مستثمر أجنبي في القارة من خلال مبادرة “الحزام والطريق”، ولا تزال تتمتع بحضور قوي، إلا أن حضور بكين تراجع في السنوات الأخيرة بعد سلسلة من أزمات الديون في أفريقيا والمشاكل الاقتصادية في الداخل الصيني.
في عامي 2022 و2023، أعلنت الإمارات عن استثمارات إجمالية قدرها 97 مليار دولار أمريكي في أفريقيا، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف إجمالي استثمارات الصين، وفقًا لإحصائيات مؤسسة أسواقfDi ، وهي مؤسسة توفر قاعدة بيانات للاستثمارات الأجنبية. بالمقابل، بلغت الاستثمارات الأمريكية في عام 2023 حوالي 10 مليارات دولار أمريكي.
يقول الخبراء في مجال الاستثمار إنه على الرغم من أن هذه التعهدات قد لا تتحقق جميعها، إلا أنها أظهرت التزامًا عامًا بممارسة الأعمال التجارية في القارة. تتطلع دولة الإمارات أيضًا إلى تعزيز التجارة مع القارة الأفريقية، حيث وقّعت اتفاقيات شراكة اقتصادية ثنائية مع ثلاث دول أفريقية، بما في ذلك كينيا، منذ بداية العام.
صرح ممثل عن وزارة الخارجية الإماراتية بأن الإمارات ركّزت استثماراتها على “قطاعات رئيسية مستقبلية، مثل الطاقة المتجددة، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والبنى التحتية، والخدمات اللوجستية، على مدى السنوات الخمس الماضية”. بالإضافة إلى ذلك، تجاوز إجمالي المساعدات الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة إلى دولٍ في أفريقيا مليار دولار أمريكي خلال الفترة 2023-2024، وفقًا لمتحدثٍ حكومي معني بالتجارة.
وفي الوقت نفسه، سرّع الرئيس ترامب خروج أمريكا من أفريقيا، مُنهيًا تمويلات بمليارات الدولارات، وفكك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومُنهيًا جميع المساهمات في بنك التنمية الأفريقي. كما تدعو خطة إعادة تنظيم وزارة الخارجية الأمريكية إلى إلغاء معظم العمليات في المنطقة.
كذلك عززت بريطانيا تدفقاتها المالية إلى القارة الأوروبية في السنوات الأخيرة، حيث زادت مساعداتها لأوكرانيا، وزادت إنفاقها العسكري. يقول السيد ريكاردو سواريس دي أوليفيرا، المدير المشارك لبرنامج الحوكمة الأفريقية بجامعة أكسفورد في إنجلترا، إن تصرفات إدارة الرئيس ترامب تصرفات متطرفة، لكنها تعكس اتجاهًا عالميًا أوسع بعيدًا عن مساعدات التنمية والقيم الليبرالية. ويضيف السيد سواريس دي أوليفيرا بالقول إن العالم ينتقل إلى عصرٍ أصبح فيه التركيز على الديمقراطية والأسواق الحرة أقل أهمية. وقال: “سيكون النهج الأكثر تركيزًا على الأعمال هو القاعدة المشتركة”.
هذا لا يعني أن الإمارات ليس لديها مصالح استراتيجية وسياسية كبيرة في أفريقيا.
ما أصبح مختلفًا الآن هو أن دولة الإمارات العربية المتحدة فوضت التعاملات مع الدول الأخرى للمصالح الخاصة والشركات، والتي ترتبط جميعها تقريبًا بطريقة ما بالحكومة أو العائلات الحاكمة، كما يقول السيد أندرياس كريغ، الزميل في معهد دراسات الشرق الأوسط في كلية كينغز في لندن. ومن المتوقع أن تحقق هذه المشاريع عوائد اقتصادية واستراتيجية.
يضيف السيد كريغ “لقد أحدثت الإمارات العربية المتحدة ثورة في فن إدارة الدولة بالنسبة لدولةٍ صغيرة”. يبلغ عدد سكان الإمارات من المواطنين أقل من مليون نسمة، وجيشها صغير نسبيًا. ومع ذلك، “فإنها تلعب دور قوة متوسطة”.
أثارت بعض الخيارات السياسية للإمارات المخاوف. اتهمت الحكومة السودانية دولة الإمارات بتأجيج الإبادة الجماعية من خلال دعمها لقوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية منخرطة في الحرب الأهلية في السودان التي أسفرت عن مقتل 150 ألف شخص وتشريد 14 مليون شخص لحد الآن. ومؤخرًا، قطع الجيش السوداني العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، التي قالت إنها لم تقدم سوى مساعدات إنسانية.
كما تم اتهام دولة الإمارات بتحويل أموال إلى مجموعة المرتزقة الروسية، ميلشيات “فاغنر” في كل من السودان وليبيا. ويقول السيد كريغ: “لا يوجد ما يسمى بأموال نظيفة أو قذرة في الإمارات العربية المتحدة”.


