إن مشكلتنا ليست مع العلمانيّة إذا ما عرفنا معنى العلمانيّة وآليّة عملها وأهدافها, وإنما مشكلتنا, مع تجار العلماني في الأنظمة الشموليّة الاستبداديّة التي تدعي العلمانيّة من جهة, ومع أغبياء السياسة وتجارها, وذوي الأيديولوجيات المغلقة الذين يعتبرون أنفسهم هم وحدهم من يمتلك الحقيقة المطلقة أيضا, هؤلاء الذين لم يكلفوا أنفسهم العناء للبحث عن مفهوم العلمانيّة وصيغها وأهدافها, وهمهم كيل الاتهامات لمن يؤمن بها, بأنهم كفرة وملاحدة وفاسدين, ولا يتوان بعضهم في وصف العلمانيين بأنهم من دعاة المثلية والتحول الجنسي.
ما هي العلمانية؟:
في سياقها العام, هي مشروع حياة, يقوم على استخدام العقل النقدي في الكشف عن القوانين الموضوعيّة والذاتيّة التي تتحكم في سير وآليّة عمل قوانين الطبيعة والمجتمع, وبالتالي تسخيرهما لمصلحة بناء الإنسان ودولته المدنيّة التي على أساسها يشعر الإنسان ويعي ويمارس دوره في بناء عالمه وفقاً لما يحقق عدالته وسعادته وآمنه.
هذه هي العلمانية ودولتها العقلانية التشاركيّة, التي ترفض أن يكون هناك أي دور لأي قوى اجتماعيّة تشعر بأنها هي وحدها من يمتلك الحقيقة المطلقة, إن كانت دينيّة أو وضعيّة, وبالتالي تسعى للتفرد في قرار الدولة والمجتمع, وتقوم بممارسة الاستبداد والاقصاء والقهر والظلم للمختلف معها في الرؤية أو الممارسة مهما يكن انتماؤه السياسي أو مرجعيته الدينيّة.
أهداف الدولة العلمانية
العلمانيّة إذن, هي السير العقلاني والمنطقي في أي مجتمع ودولة نحو تحقيق:
أولاً: اقتصاد تنمية مستدامة: يسعى لخلق انتاج ووسائل انتاج متطورة في الزراعة والصناعة, وتحقق موازين تجارة ومدفوعات رابحة, وعدالة في توزيع الثروة الوطنيّة بين أبناء المجتمع. ..
ثانياً: على المستوى الاجتماعي: هو تحقيق بنية اجتماعيّة متوازنة خارج نطاق كل المكونات التقليدية من عشيرة وقبيلة وطائفة أو حزب شمولي, لتأكيد أو تجسيد المواطنة في هذه البنية, بعيداً عن أي تمييز أو محاباة لأي مكون من مكونات الدولة والمجتمع على حساب المكونات الأخرى.
ثالثاً: على المستوى الثقافي: فالعلمانية هي القدرة على كشف وإقصاء كل الأنساق المعرفية الوثوقيّة والسلفيّة الجامدة الرافضة للتطور والتبدل والحركة, ولحريّة الإنسان في تحقيق مصيره, وإعادة صياغة دولته المدنيّة, واعتبار الثقافة التنويريّة, والعقل النقدي هما الوسيلتان الأساسيتان في إيصالنا إلى ما يبعث جوهر إنسانيتنا دائماً.
رابعاً: على المستوى السياسي: فالعلمانية هي القدرة على تحقيق دولة العقد الاجتماعي والديمقراطية, أي دولة القانون والمؤسسات والتعددية والمشاركة في قيادة الدولة والمجتمع.
خامساً: على المستوى الديني: هي تحترم الدين وتقدر مكانته الاجتماعية والفكريّة, وخاصة الفكر الذي يحترم العقل وحرية الإنسان وكرامته وعدالته ومساواته. هذا في الوقت الذي تقر فيه بأن توظيف الدين في السياسة وخاصة في الدول والمجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب, لأن توظيفه سياسياً سيولد تناقضات وصراعات طائفية لا حدود لها, لذلك تأتي فكرة المواطنة هنا حلا, كونها تقوم الإنسان وفقاً لأخلاقه وحبه لوطنه والاخلاص له والدفاع عنه.
العلمانية البذيئة:
هي العلمانية التي يُبشر بها (شكلاً ) من قبل سلطات حاكمة تدعي تبنيها للعلمانيّة في الدولة والمجتمع, دون فهمها أو امتلاك الجرأة على تطبيقها.
أي العلمانية التي يغيب في دولها اقتصاد التنمية, ويسود في بنية هذه الدول الاقتصاد الصغير والريعي والطفيلي المسيطر عليه من قبل قوى ميلشيويّة. كما تغيب في تطبيقاتها عدالة التوزيع العادل بين أبناء المجتمع, وتعيش الدولة تحت مظلتها بمديونية في موازين مدفوعاتها ودخلها.
أما على مستوى المجتمع: فهي العلمانيّة الشكليّة في تطبيقاتها داخل الأسرة والمؤسسة والدولة والمجتمع, ففي الوقت الذي تنخر فيه قيم المجتمع التقليدي بكل مكوناته وقيمه وعاداته وتقاليده المهترئة والمفوّته حضاريّاً في بنية الدولة والمجتمع والأسرة. مع غياب فاضح للمواطنة ودورها في تحقيق العدالة وتكافئ الفرص. نرى هنا أشكالاً من الدعاية العلمانيّة تطفوا على السطح ممثلة بسمات وخصائص المجتمع الاستهلاكي القشري كما سنبين بعد قليل.
أما على المستوى الثقافي: فدولة العلمانية البذيئة تشتغل بشكل فاضح في السر والعلن على نشر الفكر الغيبي والامتثالي والاستسلامي والإقصائي, وعلى كل ما يعيق نشر وتعميم الفكر العقلاني النقدي. في الوقت الذي يظهر على إعلام هذه الدول, أشكالاً كثيرة من مظاهر العلماني الشكليّة وعلى مستويات كثيرة, تندد بالفكر السلفي التكفيري, والدعوة إلى التسامح واحترام الرأي الأخر. الأمر الذي يجعل المشاهد أو المتلقي أمام حالة من الاستغراب والتناقض تدفعه للقول: (أسمع كلامك يعجبني, أشوف أفعالك أستغرب).
أما على المستوى السياسي: فدولة العلمانيّة البذيئة, تتحكم بها سلطات شموليّة استبداديّة, ترفض المختلف معها فكراً ومصلحةً, وخاصة المشاركة في تداول السلطة, مسخرة كل مؤسسات الدولة الماديّة والمعنويّة لمصلحة هذه القوى الحاكمة حزبيّة كانت, أو قبليّة أو طائفيّة.
أما على المستوى الديني: فهي تشتغل على المتاجرة بالدين من خلال نشر الفكر الغيبي الاستسلامي الامتثالي والأسطوري الخرافي, الرافض للعق, والمتمسك بالنقل.
نقول: إذا كانت هذه هي التجليات الأساسيّة للعلمانيّة البذيئة, فإن تجلياتها, تدخل في نطاق (المسخرة) الفكريّة والعمليّة معاً في دولها. ففي دول العلمانيّة البذيئة, تجد مظاهر علمانيّة تهتم كثيراً في الشكل على حساب المضمون. فدرجة تفاهتها وانحطاطها توصل المشاهد إلى درجة القرف. ففي الاعلام تجد برامج استعراضية تشتغل على العواطف المجانيّة, والتسويق القشري لمعنى المواطنة والعدالة والمحبة والتسامح وتنشئة الجيل الجديد, مع برامج دينيّة مليئة في الفكر الوعظي. يضاف إليه حفلات غناء تصرف عليها مبالغ مالية كبيرة قد تصل أجرة المطرب فيها من الدرجة الثالثة ما يساوي الميزانيّة السنويّة لأحد المراكز الثقافيّة…كما تجد في هذه الأشكال الدعائيّة للعلمانيّة استغلال فاضح للمرأة (جسدا)ً من خلال ابراز أزيائها ومكيجتها وحركتها وكل ما يحرك شهوة الرجل فيها… كما تجد أيضاً احتفالات ومؤتمرات وندوات وطنيّة وقوميّة وغيرها, يصرف عليها الكثير من الأموال خدمة لمشاريع أيديولوجيّة فاشلة, أو لنشاطات حزبيّة أو قياديّة فقدت في الأساس حس المسؤوليّة تجاه الوطن والمواطن بعد أن أفسدتها شهوة السلطة.. فهي مشبعة بالثرثرة الثوريّة التي لا تلامس هوامش حياة الناس وأساسياتهم … هذا مع انتشار فاضح لصيغ أو معطيات المجتمع الاستهلاكي في اقتناء الأشياء أو الممارسة.
ملاك القول:
لا شك أن السياسية تلعب دوراً كبيراً في تحقيق دولة العلمانيّة العقلانيّة, أي دولة المواطنة, أي الدولة المدنيّة, إذا ما توفرت لهذه العلمانية قوى حاكمة تؤمن بمصالح الفرد والمجتمع قبل إيمانها بمصالحها الخاصة ومصالح العشيرة والقبيلة والطائف والمذهب والحزب. بيد أن هذه القيادة الوطنيّة ذاتها لا تستطيع أن تزرع القيم العلمانيّة في مجتمعاتها ودولها إذا لم تتوفر لها الامكانات الموضوعيّة والذاتيّة, والأهم النيات الحسنة المشبعة بالروح الوطنيذة, وإلا سيظل سعيها يدور في نطاق العصابة والأيديولوجيا معا.


