في المفهوم:
الأخلاق في سياقها العام, منظومة من القيم الايجابيّة والسلبيّة معاً, وهي تعتبر عند الفرد والمجتمع وسيلة لتحقيق الخير أو الشر في حال ممارستها في الحياة اليوميّة المباشرة داخل الأسرة أو المجتمع أو الدولة, انطلاقاً من أن القوانين التي تحكم عمل هذه المؤسسات, تعتبر بالضرورة ذات توجهات أو مضامين أخلاقيّة. والأخلاق في ممارستها, هي ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات, مع اعتقادي أن هناك قيماً ذات طابع أخلاقي يمارسها الحيوان أيضاً بشكل غريزي, وفي مقدمتها غريزة الأمومة على سبيل المثال لا الحصر. والأخلاق تتكون في عمومها من أنساق عديدة تتجلى في المعتقدات، أو العادات أو التقاليد أو الأعراف, كما تتجاى في الأنساق الفنيّة والأدبيّة والسياسيّة والثقافيّة والرياضيّة, وفي بنية المنظمات أو الاتحادات الاجتماعية وغيرها، التي تفرض حضورها داخل حياة الفرد و المجتمع.
الرؤية الفلسفيّة للأخلاق:
الأخلاق من وجهة نظر الفلسفة المثاليّة:
تأخذ الأخلاق في هذا الاتجاه, قيماً معياريّةً ثابتةً, غالباً ما تكون ذات بعد دينيّ من جهة أولى, تحددها في الغالب نصوص دينيّة متعالية عن الواقع, لها طابع التقديس, وبالتالي تفرض هذه النصوص الدينيّة قداستها على معتنقي هذا الدين أو ذاك, وتطالب بضرورة الامتثال لها والالتزام بها, وأي خروج عنها هو تحدي لعقيدة الدين نفسه, وخروج على تعاليمه, وقد يصل إدخال من يمتنع عن تطبيقها أو الالتزام بها في خانة الزندقة أو الكفر والالحاد. وعلى هذا الأساس جاءت في تاريخ (الأخلاق في الإسلام) مسألة مرتكب الكبيرة (أي من يخالف تعاليم الدين) عند المعتزلة والأشاعرة والماتريديّة والمرجئية. وكذلك جاءت مسألة التحسين والتقبيح في الأفعال المنتمية لخانة الأخلاق ما بين من اعتمد العقل في إقرارها أو النقل, وعلى هذا الأساس جاءت أيضاً مسألة الجرح والتعديل في الفقه, والأخذ بالسند أكثر من المتن وفقاً للقيم الأخلاقيّة التي يتمتع بها الراوي, إن كان من حيث سلوكياته ودرجة قربها من الأخلاق الإسلاميّة, أو المذهب الديني الذي ينتمي إليه.
ومن جهة ثانية, تأتي الأخلاق المثاليّة أيضا, مرتبطة بالضمير والوجدان والواجب الفردي والجمعي والقانوني معاً, وهي أخلاق غالبا ما تحددها كذلك مجموعة من المثاليات كالأعراف والتقاليد والعادات عند مجتمع من المجتمعات في مرحلة تاريخيّة محددة, بعد أن تجردت هذه المثاليات وتحولت إلى ما يشبه القانون المفروض بقوة العقل الجمعي على علاقات الواقع, أي تحولت هذه المثاليات إلى قوانين خلقيّة صالحة لكل زمان ومكان, بعد أن تعالت على الواقع وراحت تحكمه.
إذن الملفت للنظر وفق هذا النسق أو التوجه الأخلاقي, هو اعتبار الأخلاق عند ممارستها سلباً أو إيجاباً, حالة قيميّة مجردة عن الواقع المعيش ومصالح الناس فيه, حددت الالتزام بها نصوص دينية مقدسة من جهة, وعادات وتقاليد وأعراف من جهة ثانية, أو هي أخلاق نابعة من ضمير ووجدان وعقل الإنسان فقط, لدرجة القول بأن من يمارسها إيجابا يقال عنه صاحب عقل وواجب ووجدان, والعكس صحيح. وهي في ملاك القول أخلاق يقوم الإنسان بتطبيقها من ذاته بعيداً عن أية مصلحة أو دوافع مصلحيّة وراءها. أي هي تمارس من خلال ارتباطها بالواجب والعقل وحريّة الإرادة, إلى حد كبير كما أشرنا قبل قليل.


