الحرية لجورج والرحمة لزياد العرب ولبنان بين بهجة وحزن

الحرية لجورج والرحمة لزياد العرب ولبنان بين بهجة وحزن
يشهد الواقع العربي حزناً عميقاً، غير أنّ إطلاق سراح جورج عبد الله بعد أربعة عقود من الاعتقال منح معنى متجدداً للنضال، فيما شكّلت وفاة زياد الرحباني خسارة فادحة لفنّ مقاوم جسّد قيم الجمال والأمل...

أيام حزينة يمر منها لبنان، ومن ثمة هي حزينة على سائر البلاد العربية، حتى لا نقول الوطن العربي، لأنه لم يعد هناك من وطن عربي يستدعي “الفزعة”، ولو بالمفهوم العشائري البدوي، فالعرب اليوم فشلوا في تشكيل عشيرة، كما فشلوا في تشكيل دولة وأمة. ان نضرب حسابا سريعا ونرسم بيانا يؤكد أن فزعة الغريب على قضيتنا المركزية تفوق بأضعاف فزعتنا نحن العرب الذين فضلنا ممارسة الخذلان بفهلوة استراتيجية. ثمة منطوق في الخطاب وثمة مفهوم، فأما ما يطغى على مفهوم الخطاب الانهزامي، فهو منح الاحتلال الحق وعدم إحصاء مكامن ضعفه وخلله. بات البعض يخشى من انهيار الاحتلال، في الوقت الذي يواصل خطاب التهوين من كل فعل مقاوم. أتساءل بدوري: لماذا يتكلف عبيد الاحتلال أن يظهروا بمظهر الحكماء، بينما الخطر يتهدد آخر قيم وحرمات الإنسان؟ والأغرب حين يتحدثون عن النزاهة.

الفرح بالحريّة والمناضلة

قلت بأنها  أيام حزينة على لبنان ومن ثمة على البلاد العربية، ونعني بذلك حدث إطلاق سراح المناضل الكبير جورج عبد الله بعد أكثر من أربعين عاما من الاعتقال التعسفي، وحدث ترجل فارس الكلمة والنغم الهادف زياد الرحباني. هما من أنبل ما أنجبت لبنان المكافحة، ولكنهما أيقونة رمزية لكل العرب. فلقد عاش جورج عبد الله حاضرا في ضمير كل مناضل عربي، لم ننساه قط، وهو حاضر عند كل محطة نضالية. لقد كانت التضحية عنوان مناضل استطال سجنه تعسفا لرفضه كلمة واحدة: الاعتذار.

عاش جورج القضية الفلسط..ينية بعقل وقلب. كانت بالنسبة إليه عنوان تضحية، فمع جورج عبد الله لا يمكن الحديث عن أن القضية موضوع استغلال أو مآرب أو مصالح. يبقى جورج عبد الله الشاهد والشهيد الحي على نقاء قضية، كان فيها مناضلا منذ الزمن الجميل للنضال الحقيقي بلا مواربة. رصيد المناضل من التضحية هو العلامة الفارقة في مسيرة كفاح شائكة ومركبة، وهي عبر التاريخ كانت خليطا من المكافحة والمتجارة، النزاهة والانتهازية، فما به امتياز الحال عن الحال هو التضحية. ولقد كان جورج عبد الله أمة وحده، منح القضية من صموده وعناده ووفائه وصدقه ما جعلها تزدان به وزيدان بها. فكان لخبر إطلاق سراحه، فرحة ملأت الدنيا ومنحت بعض المعنى لمفهوم المناضل في زمن الالتباس.

وفاة الفنان القدير زياد الرحباني

وكان الحدث الثاني الذي ترك أثرا بالغا في نفوسنا، خبر وفاة الفنان القدير زياد الرحباني، بعد مسار حافل بالعطاء، هذا الأستاذ العملاق الذي طوع النغم والكلمات ليعزز صمود قيم الجمال ضد ما ران على الكون العربي من هزائم ومصائب لا تستساغ. كان الرحابنة واحة من الجمال في لحظة ومجال اجتاحه القبح السياسي. حرسوا بالنغم  ميراثا اكسيولوجيا، فكان مائز تجربتهم الفنية قدرتهم الساحرة على اكتشاف طفولة العالم، وكالعصافير، ارسلوا شذى الألحان، وأعادوا الإبتهاج للعالم العربي. ومثل نغمهم الوفي للنقاء كهمس الطبيعة، كان زياد والسيدة فيروز ، تلك التي لا زلت منذ الطفولة أنظر إليها كواحدة من بقايا حريات البحر، لقد كانا أوفياء لشهداء الكفاح الوطني، وعبروا عن وفائهم ذاك بخالدات وروائع، عوضت المشهد بالأمل والانتصار الرمزي.

ويفرح العرب الأحرار لجورج عبد الله، ويفرحني أكثر،  لأنه سيعيد المعنى النزيه للمناضل الذي ضحى. ولكننا نحزن لفقد فارس من فرسان الفن في عصرنا كله، زياد الفنان والمثقف والنقي. هنيئا لجورج بقية زمن الفرسان، والرحمة على روح زياد الفنان القديس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *