كتب الشاعر والكاتب فارس حرام قبل أيام على صفحته بالفيسبوك ما يلي:
” ماذا لو حصلت كتلة المشاركة التشرينية – أو التغييرية – على أكبر عدد من المقاعد، لنقل مثلا ۱۰۰ نائب يعني أكثر من كتلة الصدريين المنسحبة في عام (۲۰۲۱) وطلب أن يكتب أحد عن جدوى المشاركة، وما هي الخطوة اللاحقة للفوز بالعدد أعلاه، وهل ستستطيع الأحزاب المدنية الفائزة بالانتخابات تشكيل حكومة؟ وكان الغرض من نشره للبوست أن يكون دعوة حوار مباشر، لكي نفهم مشروع المشاركة بشكل واضح، بكل احترام لكل المشاركين والمقاطعين.
مقارنة بين المقاطعة والمشاركة
ولأني من دعاة المشاركة الواسعة بالانتخابات، لأن خلاف ذلك يعني أن يذهب جمهور أو المنتفعين من أحزاب السلطة فقط إلى الانتخابات، ما يعني نتيجة حتمية بفوزها مرة أخرى فيها، وتشكيل حكومة على مقاساتها لا تحاسب فاسد ولا تحل مشكلة من مشكلات العراق المزمنة، أقول ماذا لو تعكس السؤال، ونغيره إلى البحث عن جدوى المقاطعة، ما هي خطة دعاة المقاطعة؟ كيف يمكن إحداث التغيير المنشود إذا لم نشارك بالانتخابات وبقينا قابعين في بيوتنا؟ أتمنى أن لا أحصل على إحدى تلك الإجابات الجاهزة والمكررة مثل أننا بمشاركتنا نمنح النظام شرعية؟ لأن النظام سيبقى شرعياً رغماً عن أنوفنا لأنه معترف به دوليا وستكون الحكومة معترف بها حتى لو كان المصوتون ١٠% فقط من عدد الناخبين، فلا يوجد نص دستوري أو قانوني يربط شرعية النظام بنسبة المشاركة. وبعد ذلك سأجيب عن أسئلة الصديق فارس حرام التي يشاركه فيها أصدقاء كثر أكن لهم احتراماً وتقديراً كبيرين، وهي أراء محترمة بالتأكيد لكني اختلف معها للأسباب التالية:
الفرص الضائعة في المقاطعة
لا توجد وسيلة أخرى لإحداث التغيير في العراق غير . الانتخابات، أقر بأن قانون المفوضية، وقانون الانتخابات بحاجة . إلى تعديلات، وكنت من أول الداعين إلى تعديلهما منذ عام ۲۰۰۸ ، وكتبت عن ذلك كثيرا، ولو انصب العمل والمطالبات على إصلاحهما منذ ذلك الوقت، لكنا في حال أفضل.
وبالمناسبة، فإن ثمة منظمات دولية على تماس مباشر بكل تفاصيل عملية الانتخابات، تجعل من الصعب تزويرها، لكن تحدث عمليات تزوير محدودة تكشف أغلبها لاحقاً خلال عمليات العد والفرز اليدوي في المراكز، وفي غياب وجود مراقبي كيانات الأحزاب المشاركة.
كانت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة ٢٠% حسب بعض المصادر، ونحو ٤٠% حسب مفوضية الانتخابات، وهذه النسبة تشمل ناخبي كل الأحزاب المشاركة بالانتخابات، أي ناخبي التيار الصدري، وناخبي الأحزاب الجديدة مثل امتداد وإشراقة كانون والمستقلين وغيرها، أي أن نسبة ناخبي أحزاب السلطة التي يراد تغييرها لا تتجاوز ١٠% فقط، ما يعني أن المقاطعين لو شاركوا بنسبة ٤٠% فقط فسيكون مرشحيهم أغلبية في مجلس النواب، وستكون كل الأحزاب التقليدية، أقلية، وبدل أن يعمل قانون سانت ليغو الصالح أحزاب السلطة كما رسموا هم، سيعمل لصالح الأحزاب المدنية الجديدة، فكيف ستكون الحال إذا كانت نسبة المشاركة ٨٠%؟
لو تحققت نسبة مشاركة تصل إلى ٤٠% كما بينت أعلاه، يمكن للأحزاب المدنية أن تشكل ليس فقط الحكومة، بل أن تغير حتى الغرف غير الدستوري في توزيع المناصب العليا . في الدولة.
لو لم تفز الأحزاب المدنية، بأغلبية مريحة، فستكون بالتأكيد معارضة تقوم عمل الحكومة وتراقبها فعليا، وليس بطريقة السنوات السابقة، كما أن العمل النيابي غير العمل التنفيذي، فيمكن مثلاً أن يطرحوا مشاريع القوانين المسكوت عنها رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث مثلاً، وأن يفرضوا رؤيتهم في قوانين الموازنات بما يعالج مشاكل البلد المزمنة حسب أولوياتها، وليس حسب حصص الأحزاب المشتركة بالحكومة، وأن يهيئوا الأرضية القانونية للانتخابات القادمة، بما يجعلها انتخابات معبرة عن إرادة الناخبين بطريقة أكثر دقة.
هناك فوائد أخرى غير مباشرة، من بينها أن أغلب مرشحي الأحزاب المدنية هم من الكفاءات التي لا تريد لنفسها الارتباط بأحزاب الإسلام السياسي فاختارت الإنضواء تحت قوائم الأحزاب المدنية، ما يعني أن فوزهم سيكون إضافة نوعية لمجلس النواب.
انتزاع مقعد واحد من أحزاب الإسلام السياسي، يفقدها شيئاً من نفوذها، ولو وعى الناخبون، ما يمكن أن يفعلوه بأصواتهم، لما فقدنا دماء غالية في مظاهرات أفقدتنا عدداً كبيراً من أبنائنا، وأصدقائنا.
ثمة من يراهن على تثوير الشارع لتغيير السلطة، ومن تجربتنا في انتفاضة تشرين ۲۰۱۹ ، وكيف تأمر علينا الشرق والغرب” حسب تعبير عبد الكريم قاسم، لإجهاض الانتفاضة، لا أعتقد أنها فكرة قد تخرجنا من هذه الفوضى بل ستكون نتيجتها الدخول في فوضى أكبر قد لا تنتهي لسنوات.
لم تنتج دعوات المقاطعة السابقة غير بقاء أحزاب الخراب ذاتها، وهذا ليس ناتج عن تزوير الانتخابات كما تذهب أغلب التفسيرات بقدر ما هو نتيجة حتمية لمقاطعة القوى الراغبة في التغيير للانتخابات، لأن التزوير حدث ويحدث في مرحلة العد والفرز في مراكز الانتخابات بالتواطؤ مع بعض مديري المراكز غير النزيهين، وفي انتخابات الخارج أيضاً، ويمكن تلافي ذلك من خلال زيادة عدد مراقبي الكيانات والأحزاب المدنية في مراكز التصويت، وعدم مغادرتها لمراكز التصويت إلى حين استلامها شرائط النتائج.
دعوات المقاطعة محترمة بالتأكيد، لكني أدعو أصحابها، إلى التأمل قليلا في نتائجها الكارثية التي بينت عدداً منها أعلاه.


