في العقود الماضية، شكّـلت اتفاقية (سايكس – بيكو) عام (١٩١٦) نقطة التحول الأكبر في رسم خرائط المشرق العربي “منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا” وتقسيمه إلى كيانات سياسية مصطنعة تخدم مصالح القوى الاستعمارية آنذاك، وبالأخص بريطانيا وفرنسا ..
لكنّ ما يجري اليوم يُـظهر أن مرحلة (سايكس – بيكو) بصيغتها الكلاسيكية قد وصلت إلى نهايتها، وأن هناك مشروعاً استعمارياً جديداً يتبلور، هذه المرة بغطاء بريطاني «ذكي» وقوة تنفيذية أمريكية – صهيونية مشتركة، لإعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يخدم أجندات الهيمنة الجديدة.
التحالفات الدولية وأهدافها:
بريطانيا، التي تجيد العمل من وراء الستار، تُـعيد صياغة المعادلة الإقليمية عبر الهندسة: السياسية والاجتماعية
متجنبة الظهور كفاعل أول، بينما تتقدم واشنطن وتل أبيب الصهيونية في المشهد، مستخدمتين:
القوة العسكرية، الحرب الاقتصادي وإدارة الصراعات الداخلية في دول المنطقة.
الهدف الأساسي هو إعادة إنتاج ما يسمونه بالشرق الأوسط وفق خرائط جديدة تدمج السيطرة الاقتصادية مع التمكين الأمني للصهيونية في قلب المنطقة.
هذا المخطط يجد صداه لدى بعض العواصم الخليجية والعربية، التي تبرره باعتباره “تحديثاً” أو “إصلاحاً”، لكنه في جوهره إعادة تموضع في الحضن الأمريكي – البريطاني، حتى لو كان الثمن التخلي عن أوراق قوة استراتيجية أو التنازل عن ملفات سيادية!
الأدوات السياسية والإعلامية
بعض الدول الإسلامية، “تركيا” والإقليمية الأخرى تتورط أيضاً، إما بدافع الخوف من العقوبات والابتزاز السياسي، أو طمعاً في النفوذ الذي تَـعِـد به القوى الكبرى.
إن ما بعد (سايكس – بيكو) ليس مجرد تغيير خطوط على الخريطة، بل: إعادة تشكيل البنية الفكرية والسياسية لشعوب المنطقة ..
هذا التشكيل يتم عبر تطويع الإعلام، وتوظيف الصراعات المذهبية والعرقية، وصناعة تحالفات عسكرية – أمنية جديدة، بحيث يصبح “الكيان الصهيوني” المحور الضامن للأمن الإقليمي، وتصبح القوة الغربية -بوجهها الأمريكي والصهيوني- هي الحكم والوسيط وصاحب القرار.
إن قراءة هذا المشهد بعمق تكشف أن الصراع لم يعد محصوراً في ميادين القتال أو قاعات المفاوضات، بل أصبح معركة طويلة المدى تستهدف البنية التحتية للعقل الجمعي للأمة، بما يغير طريقة التفكير وصياغة الأولويات، ويفتح الباب أمام أجيال جديدة تنشأ على قبول الهيمنة باعتبارها وضعاً طبيعياً.
الخطورة هنا أن المشروع لا يسعى فقط إلى السيطرة على الموارد أو المعابر الحيوية، بل إلى إعادة تعريف الهوية، ومحو أي إمكانية لنهضة عربية – إسلامية مستقلة.
التاريخ يعلّـمنا أن بريطانيا لا تترك الأرض إلا وقد زرعت فيها بذور انقسام دائم، واليوم تُـعيد اللعبة نفسها، لكن بوسائل أكثر دقة وبتحالفات أوسع.
إذا لم تتحرك قوى الوعي والممانعة: المقاومة في المنطقة، فإننا مقبلون على مرحلة قد تكون أشد قسوة من (سايكس – بيكو) نفسها، لأن هذه المرة التقسيم ليس جغرافياً فقط، بل عقلياً وروحياً، لتصبح الأمة ممزقة حتى وإن بقيت الحدود كما هي.


