ربما تكون تجربة الانتخابات النيابية العراقية هي الوحيدة في العالم التي يترصدها تهديد غريب ومتكرر بالاختراق من قبل حزب أُسقِطَ من الحكم قبل أكثر من عقدين. وصُفيت غالبية قياداته وكوادره ولم يبق منها إلا قلة معدودة من الشيوخ الهاربين والمنكفئين. ورغم أن هذه الانتخابات -المقرر إجراؤها في 11 تشرين الثاني القادم- محصنة بقانون يستبعد و”يفلتر” المرشحين البعثيين الصرحاء أو المموَهين يُدعى قانون “المساءلة والعدالة”، الذي يفحص على طريقة لجان التفتيش الكاثوليكية ملفات جميع المرشحين فيرفض مَن تثبت عليه تهمة الارتباط الحالي أو السابق بهذا الحزب، وبموجب درجات تنظيمية معينة.
شبح البعث يلاحق الديمقراطية
ولكن خوف أهل الحكم من الاختراق البعثي ظل يتجدد وينبعث كشبح يطارد أكذوبة “الديموقراطية الطائفية” قبل كل انتخابات. فهل هو تهديد حقيقي، أم مجرد تخويف وتحشيد تقوم بهما أحزاب السلطة لحاضنتها وبيئتها المجتمعية لدفعها إلى المشاركة وإعادة إنتاج دورة جديدة من حكم الفساد والتبعية والتدمير الممنهج؟
لا أدري إنْ كان أهل الحكم يعلمون أم لا، والأرجح أنهم أكثر غفلة وبلاهة من أن يحسبوا حسابا كهذا، يفيد أن هذا القانون الخاص بحظر البعث سيكف تلقائيا عن الفاعلية بانقراض الجيل الحالي الذي بلغ الشيخوخة من البعثيين بعد عقدين على الأكثر، وبلوغ جيل الأبناء الذي لا تنطبق عليه مواد وقياسات قانون المساءلة والعدالة سن الرشد والترشُح؟ لن نتوقف عند هذا التفصيل الآن لأنه خارج سياق موضوعنا.
حقيقة التهديد البعثي المحتمل
سنتوقف عند ما أثير مع بدء الموسم الانتخابي الحالي من قبل أهل الحكم حول محاولات منظَّمة يقوم بها الحزب المذكور لاختراق الانتخابات. وقد تحدثت الأنباء عن حملة اعتقالات وعمليات اعتقال لمشبوهين ومتهمين في المحافظات الجنوبية خصوصاً وكيف فسرها أحد الكتاب البعثيين أو المحسوبين على البعث ممن يتمتعون بالصدقية والاعتدال.
لماذا لا يزال البعث يمثل خطراً؟ بعد ربع قرن يكاد ينقضي على إسقاط البعث العراقي كمنتوج ثانوي للاحتلال الأميركي، وبعد أن فشلت جميع نضالات المعارضة العراقية منذ سبعينات القرن الماضي وسحقت بالحديد والنار والمشانق حتى تحول العراق إلى شبكة من المقابر الجماعية لضحايا النظام، سيكون من العسير على حكام اليوم أنْ يفسروا للأجيال القادمة سبب استمرار بقاء تهديد هذا الحزب المتهم بألف اتهام واتهام، الكثير منها صحيح ومشهود عليه شعبياً وموثق دولياً.
لابدَّ وأن هناك سبباً، لا تريد السلطات الحاكمة مناقشته والتفكير به فذلك قد يؤدي بها عمليا إلى قفص الاتهام. ولكن الأكيد أن إعجاب وحب العراقيين للبعث وقياداته وتجربته الدموية في الحكم لن يكونا هما السبب أو التفسير. قد نجد شيئاً من الحنين أو التمني لاستعادة مظاهر حياتية كانت سائدة في عراق ما قبل الاحتلال، ظهرت منذ بدء العهد الجمهوري في 14 تموز سنة 1958، واستمرت وتطورت حتى فرض الحصار الغربي والعربي على العراق سنة 1991؛ ومن هذه الأمور سيادة الأمن والاستقرار لعامة الناس وندرة الفساد الحكومي وكثرة المشاريع التنموية الصناعية والزراعية وحالة النهضة العمرانية والحضارية في مجالات التعليم والصحة والفنون والدفاع الوطني وصيانة استقلال وسيادة الجمهورية العراقية وتقدم البنية التحتية والتعليم والصحة والاكتفاء الغذائي.
وحين يعلم المراقب أن عراق اليوم يعيش حالة معاكسة تماما وبالمطلق لهذه الحالة التنموية الصاعدة، حيث تحول إلى بلد تابع ومستباح فاقد للسيادة والاستقلال تقوده شراذم من الفاسدين النهابين للمال العام المنتسبين إلى أحزاب ومليشيات فاشلة وعوائل دينية وإقطاعية معروفة تتصارع على الغنائم ونهب المال العام والتفريط بأراضي ومياه البلاد، سيضع يده على واحد من أهم أسباب بقاء البعث على قيد الحياة كذكرى أو كصدى لماضٍ ذهب مع الريح لكنه ما يزال يمثل في ذاكرة العراقيين شيئاً إيجابياً على صعيد البناء الداخلي.
أعداء البعث أحيوه بفسادهم: ولكنْ، هل نجح النظام الجديد في تقديم نموذج جديد ومتقدم وأكثر إنسانية ونزاهة ليجعل تجربة حكم البعث تشحُب عند المقارنة معه؟ حتى بعض أقطاب النظام، وفي مقدمتهم نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء لعهدتين، اعترف بلسانه بأنه وزملاءه فشلوا في الحكم فشلاً ذريعاً. وحين سأله الإعلامي الذي كان يحاوره؛ حتى أنت يا دولة الرئيس؟ أجابه المالكي بجزم وبلا تردد: نعم، حتى أنا، نحن جميعا فشلنا وعلينا أن نسمح لجيل جديد من القادة أن ينزل إلى الميدان! كان ذلك الاعتراف قبل انتفاضة تشرين السلمية سنة 2019، ولكن حين نزل الجيل الجديد إلى الميدان ليتظاهر سلميا ضد الفساد والطائفية والتبعية للأجنبي جوبه بالرصاص الحي فقُتل المئات وجُرح واختفى الآلاف!
يتبع


