1.المصطلح والمفهوم
سئلت في ندوة فكرية انعقدت قبل ايام في كلية القانون بجامعة هارفرد عن مجريات الشرق الاوسط الساخنة بعد الحرب الاسرائلية الايرانية الأخيرة وهل من تحوّلات تكتونية ستجري عام 2025 في منطقتنا ؟ وقبل أن أوضح أجابتي ينبغي تفسير مصطلح تحوّلات تكتونية ذلك انها عبارة بدأت تُستخدم مجازيًا في السياسة أو التحليل الجيوستراتيجي لوصف متغيّرات عميقة وجذرية تحدث في بعض نظم أو خرائط سياسية، والمصطلح مأخوذ تمامًا من علم الجيولوجيا ، فهو يعني تغيرات تكتونية في الأرض تُسبب زلازل أو تغيّر تضاريس بأكملها. وعليه ، فهو يعني أن هناك تغيّرات عنيفة أو مفصلية في توازنات القوى، كأن تنهار أنظمة، أو تتغير حدود، أو تبرز قوى جديدة غير تقليدية.
2.اهداف اسرائيل ومصالح تركيا وايديولوجية ايران
اعتقد أن تغيّرات عميقة في الأنظمة السياسية، وربما في التحالفات، وربما في الخرائط الجغرافية نفسها، مثل ما حدث في سوريا أو ليبيا أو اليمن. ويتصّور البعض ان البدء سيكون في العراق كالعادة لأنه يشكّل قلب الشرق الاوسط وتشير صحيفة صحيفة فورتشن تايمز Financial Timesإلى أن المتبقي من 2025 سيكون اختبارًا لقادة الشرق الأوسط المسيطرين مثل نتنياهو وأردوغان وخامنئي. ورغم قوة هذه الأنظمة، فإن غياب حلول سياسية طويلة الأمد – خاصة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي – سيزيد من خطر الانقسام أو بروز أنظمة دكتاتورية جديدة في كانتونات بائسة !! وستعاني سوريا من مشكلات داخلية معقدة جراء انعكاسات موروثات النظام السابق وولادة تعصّبات جديدة . وتؤكد معلومات صحيفةPolitico عن الاتحاد الأوروبي بأن الشرق الأوسط يمر بتحولات تكتونية خطيرة ومزلزلة ، وأن الانهيار ليس ناجمًا فقط عن السياسات الأمريكية، بل امتلاك اسرائيل الان اليد الطولى والتي ستنجم عنها تغيرات داخلية وإقليمية واسعة هنا ،
3.أسأل : ما الحل ؟
أجيب بالقدرة على ضبط النفس والتفكير العميق والذكاء في إدارة الاضطرابات بواقعية، وليس بتعزيز تدخلات عسكرية واسعة باختلال موازين القوى . من وجهة نظر نقدية، يرى الأغلبية اليوم أن إسرائيل هي المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار في المنطقة، وأن الغرب يغضّ الطرف عن ذلك بدعوى مواجهة إيران، مما سيعيد سيناريوهات سريعة لحروب خاطفة واذا كانت تكتونية العراق وأفغانستان وليبيا لم تقتصر على تحولات سياسية وسقوط انظمة وعبثت بمصائر مجتمعات كاملة ، فان تكتونية سوريا وحزب الله وايران السريعة ستكون تحولاتها مستقبلية، وستكتمل للاسف الشديد بنتائج صعبة .. ولعل الخطوة الأخرى ستشمل القوى العراقية العميقة التي ستشهد انهيارًا متسارعًا من اجل خلق فراغ سياسي نتيجته مزيد من جهات التشتت والتفكك في المنطقة بدل الاستقرار . لقد انكشفت عيوب الطبقة الحاكمة في العراق وقد فهمها الآخرون . من وجهة نظر نقدية صارمة امام كل العالم ، فأن إسرائيل هي المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار في المنطقة، وأن الغرب يغضّ الطرف عن ذلك بدعوى مواجهة إيران وذيولها ، مما يعيد سيناريوهات التغيير ولكن على مهل شديد !
4.العرب بحاجة الى دول مؤسسية ومجتمعات منسجمة
الصحف الغربيّة توافق إلى حدّ كبير على أنّ الشرق الأوسط يواجه تحولات داخلية عميقة، تشمل سقوط أنظمة فاسدة وهشة تحكمها اوليغاريات لها ارتباطاتها خارج الحدود ، ونمو قوي لقوى غير حكومية، وصعود معادلات نفوذ جديدة. هناك إحتمالية انفصال وانقسام: فيما ظهر واضحًا في كيانات متعبة مثل ليبيا وسوريا، وهناك مخاوف من أن يتكرر بطرق أخرى في كيانات هشة أيضا مثل العراق واليمن. مع كل هذا وذاك ، فلا توجد رواية واحدة، فهناك من يرى بأن النظام الإقليمي مُعاد تشكيله وليس متفككًا بالكامل، وبدلًا من النشر والفوضى، يمكن أن يولّد هذا التحوّل نظامًا إقليميًا جديدًا يوازن قوى متعددة. كثيرٌ من المراقبين يدّعون أن الأسباب داخلية أكثر من أن تكون منفعلة بسياسات غربية، وأن الغرب لا يملك حلولًا شاملة بل إدارة للأزمات فقط.
5.والخلاصة : هل ستتفكك دول الشرق الأوسط؟
قد يطرأ تفكك في بعض الدول، كما حدث في سوريا وليبيا، وربما يمتد إلى دول أخرى تواجه صراعات داخلية عميقة. أما دول الخليج، العراق، أو الأردن فقد تُمر عبر إعادة ترتيب داخلي وسياق إقليمي جديد أكثر تعقيدًا، لكن ليس بالضرورة تفككًا كاملًا. وبشكل عام، فان السياسة والإعلام الغربيين لا يتحدثان عن انهيار شامل للمنطقة، بل ان تحولات تكتونية ستولد عن مرحلة انتقالية حاسمة، حيث بقاء دول أو تغييرها يعتمد على مدى قدرتها على التحديث السياسي وبنائها أجهزة حكم فعالة ومن خلال تفكير سياسي ذكي جدا .
وعلى مجتمعاتنا أن تعي حقيقة مغيبة عنها بسبب عواطفها الساخنة ، وسعي البعض الاحتماء باسرائيل او النضال من اجل تكوينات قزمية تصفق لوجودها اسرائيل ..
6.وأخيرا : نصائح بضرورة التفكير من اجل المستقبل
اقول : حذار من هذه المغامرة التعيسة .. الانقسام سيولد كوارث في المنطقة لا اول لها ولا آخر .. حافظوا على لبنان وحافظوا على سوريا وحافظوا على الاردن والعراق وليعود مجلس التعاون الخليجي الى فعاليته وحيويته .. ولا يعّول بعضكم على ايران فهي خاوية اليوم ، وقد تركت في الأمس حلفائها طعمة للموت او الهروب .. ان العرب في الشرق الاوسط مدعوون الى بناء تحالف داخلي او اية منظومة داخلية كي تتفاهم مجتمعاتنا اولا لأن نسيجها في طريقه الى التمزّق بما يتبلور من صراعات هنا وهناك ، وخصوصا في العراق ولبنان وسوريا واليمن .. والوقوف امام اية خرائط جديدة وعدم السماح أبدا بولادة دكتاتوريات جديدة .. والوقوف ضد الفساد .. والوقوف مع اهل غزة في محنتهم وهم يعانون من الكارثة ..


