في خطابه بمؤتمر “التحول الشامل للدفع الإلكتروني”، طرح محافظ البنك المركزي العراقي رؤية طموحة بشأن الرقمنة المالية، مؤكداً أنها خيار استراتيجي لبناء اقتصاد متنوع ودولة عصرية.
لكن، عند إخضاع هذه التصريحات للتحليل الواقعي، تبرز فجوة عميقة بين الطموحات المعلنة والواقع المؤسسي والمصرفي المتردي، فضلاً عن ضعف الإطار التنظيمي والبيئة القانونية التي تحكم عملية الدفع الإلكتروني، وغياب الثقة المجتمعية.
غياب الاستراتيجية الفعلية في مقابل الخطاب الدعائي
على الرغم من وصف التحول الرقمي بأنه “خيار استراتيجي” إلا أن العراق يفتقر حتى اليوم إلى خارطة طريق وطنية مكتملة تتضمن:
جدولة زمنية للمشاريع.
أهداف كمية ومؤشرات أداء واضحة KPIs. ومراجعة للمخاطر المؤسسية والتقنية والتشريعية. ومعالجة فجوة الثقة مع المواطن والمستثمر. ما يُطرح في المؤتمرات يظل في الإطار الإنشائي دون سياسة نقدية متكاملة أو خطة تمويل واستدامة أو ضمان لحقوق المستخدمين الرقميين، بل حتى قانون حماية البيانات الشخصية ما زال غير مفعّل.
إخفاق المنظومة المصرفية في مواكبة التحول الرقمي
يتحدث المحافظ عن “بوابة موحدة”، و”مقسم وطني”، و”مدفوعات فورية”، بينما الواقع يكشف أن:
أكثر من 60% من المصارف العراقية ما تزال تعمل بأنظمة قديمة غير مؤتمتة، وتعتمد على الحوالات الورقية.
لا توجد رقابة مركزية فاعلة على عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب رغم العناوين البراقة.
لا توجد حوكمة مصرفية رقمية أو قاعدة بيانات موحدة قابلة للتحقق الفوري KYC.
الجهات الأمنية لا تزال تعتمد على الإجراءات الورقية في تعقب المعاملات المشبوهة.
السوق العراقي بلا جاهزية للبنية الرقمية
في بيئة تفتقر إلى:
انتشار الإنترنت المستقر (خصوصاً في المناطق الطرفية).
ثقافة الدفع الإلكتروني لدى المستهلك والتاجر على حد سواء.
حماية قانونية حقيقية للمستهلك الرقمي ضد الاحتيال.
ومؤسسات تعليمية ما زالت تدرس مبادئ المحاسبة الورقية دون معرفة أدوات التكنولوجيا المالية (FinTech)،
فإن الحديث عن مقسم وطني وسيادة رقمية يصبح أقرب إلى الطرح النظري غير القابل للتطبيق.
غياب التشريعات وسيادة التعاملات الموازية
غياب التشريعات اللازمة يُعزز سيادة التعاملات الموازية في العراق، إذ إن عدم صدور قانون شامل ينظم التعامل بالأصول المشفرة، وحماية المستهلك الرقمي، وإدارة البيانات والمعطيات المالية، ومكافحة الاحتيال السيبراني، يجعل المواطن العراقي مضطراً للجوء إلى السوق الموازية (Black Market)، التي تضم أدوات دفع غير مرخصة ومحافظ غير خاضعة للرقابة، وذلك في ظل غياب الثقة بالتطبيقات المصرفية المحلية.
اخفاق مبدأ الشمول المالي رغم شعارات التوطين
مشاريع توطين الرواتب لم تحقق الشمول المالي، بل حولت آلاف الموظفين إلى عملاء مكرهين على فتح حسابات دون توفير أي خدمة مصرفية حقيقية لهم، فضلاً عن استغلالهم من قبل بعض المصارف في شكل قروض استهلاكية وفوائد مجحفة، مما زاد من هشاشة الوضع المالي للأسرة العراقية، وعمّق الفجوة بين المواطن والمصارف.
توصيات عملية لمرحلة تحول حقيقي
إعداد استراتيجية رقمية وطنية واضحة المعالم بإشراف مجلس أعلى مستقل للتحول الرقمي، وليس حصراً بيد البنك المركزي.
- إلزام المصارف بتحديث أنظمتها التكنولوجية وربطها بمنصة مركزية موحدة للتحقق من الهوية والتعاملات.
- سنّ قوانين جديدة لحماية البيانات والمعاملات الرقمية وتنظيم العلاقة بين المستخدم والجهات المقدمة للخدمة.
- إطلاق حملات توعية مستمرة موجهة لشرائح المجتمع كافة، وليس الاكتفاء بدعوة الإعلام في المؤتمرات.
- تحقيق اللامركزية الرقمية بتوفير خدمات الدفع والتحصيل الإلكتروني خارج العاصمة.
- الاستعانة بخبرات دولية وبيوت خبرة متخصصة بعيداً عن الشركات المحلية غير المؤهلة.
- خطاب محافظ البنك المركزي العراقي يعكس طموحاً مشروعاً، لكنه في الوقت ذاته يُخفي عجزاً مؤسسياً وتشغيلياً واضحاً.
فالتحول الرقمي لا يتحقق عبر مؤتمرات أو شعارات استراتيجية، بل بتغيير جذري في البنية التحتية، والبيئة التشريعية، والمناخ المؤسساتي، وهو ما لم تلمس له الأسواق والمؤسسات حتى الآن أي أثر حقيقي.
إن رقمنة الاقتصاد ليست خياراً إعلامياً، بل عملية عميقة ومعقدة تتطلب كفاءة ونزاهة ورؤية جامعة، وهو ما يجب أن يتحقق قبل الحديث عن “اقتصاد متنوع” و”سيادة رقمية”.


