منذ سنوات، يعاني العراق، من السلاح المنفلت، والدكات العشائرية الخارجة عن القانون، وهناك عشرات الأمثلة، التي حصلت تؤكد أن السلاح المنفلت، هو من يسيطر على الحكومات المتعاقبة، والدكات العشائرية، التي أصبحت ظاهرة في وسط وجنوب العراق.
وأصبح السلاح المنفلت هو المتحكّم بالحكومات، لما يمتلكه من سلاح، لا يمتلكه حتى الجيش العراقي، وتدعمه دول إقليمية، بكل أنواع الدعم التسليحي، من صواريخ وطائرات مسيّرة وتمويل وغيرها، والهدف من دعمها هذا، هو إبقاء العراق في حالة صراع واحتراب داخلي طائفي، وضعيف في قوته العسكرية، ولإبعاد المعركة مع إسرائيل وأمريكا عن أرضه، وحصرها في العراق فقط.
والعراق يعيش أسوأ فترات الحكم الآن، بفعل سطوة هذا السلاح المنفلت وسوء الخدمات، والفساد التاريخي، وصعود مستوى الطائفية كما لم يشهدها العراق بتاريخه الطويل.
تحكم السلاح في الدولة
وآخر ما قام به هذا السلاح هو هجومه على دائرة الزراعة ببغداد، لخلافات حول المناصب والنفوذ والاستحواذ على أكبر قدر من الأراضي لتمويل عناصره وفصيله.
وقبلها كانت هناك دكات عشائرية في البصرة وميسان والنجف، وكان السلاح المنفلت للأحزاب التي تدير السلطة، هو من يقود هذه الدكات باسم العشائر.
وفي هذا الجو المنفلت أمنيًا، تجيء رسالة إدارة الرئيس ترمب بصوت وزير خارجيته ماربيو، مباشرة، والتي يؤكد فيها على ملفات يجب حسمها، قبل المواجهة مع العراق، عن طريق العقوبات النفطية والاقتصادية والتحكم بالدولار.
فرسالة أمريكا تعدّ الأخيرة، ولكنها جدية وشديدة اللهجة، قامت بتبليغها الخارجية الأمريكية للسوداني مباشرة، والتي تؤكد على ملفات ترفضها الفصائل كما يرفضها الإطار التنسيقي، ومنها حل الحشد ونزع سلاح الفصائل الولائية.
خطة إيران البديلة تبدأ
وفي هذا الجو العراقي الملتهب سياسيًا، بعد تبليغات وزير خارجية ترمب، يدخل على الخط قاآني قائد فيلق القدس في زيارة سرية للعراق، ويجتمع مع قادة الإطار التنسيقي، وقادة الفصائل الولائية، ويبلغهم تعليمات المرشد الإيراني الأعلى، وهي الخطة (ب)، والتي تهدف إلى زعزعة أمن العراق، وإعلان الانقلاب العسكري على حكومة السوداني، واستلام السلطة بنفوذ إيراني مباشر، وإبعاد الجيش والشرطة عن التحكم بأمن العراق.
وبمعنى إبعاد الجيش والشرطة، والبديل هو الحشد الشعبي في حماية أمن العراق، تمامًا كما هو الحال مع الحرس الثوري الإيراني، أي التحول إلى حكم ولاية الفقيه. هذه هي خطة المرشد الإيراني التي أبلغها قاآني للسوداني والإطار التنسيقي وقادة الفصائل المسلحة.
بمعنى هناك سيناريو مقابل السيناريو الأمريكي، يجري تطبيقه في العراق، لهدفين أساسيين هما إبعاد الحرب عن إيران، وإشغال العراق بحرب أهلية، تتدخل إدارة ترمب فيها لإيقاف الحرب الأهلية التي تعوّل عليها إيران، لإيجاد تبريرات للتدخل وحماية الحكم الولائي في بغداد، وعمل المستحيل لتغيير نظام الحكم إلى (السنّة)، كما تريد إدارة الرئيس ترمب.
فلمن ستكون الغلبة؟ الصراع محتدم الآن بين واشنطن وطهران.
ولقراءة المشهد هذا، نرى الصراع يتصاعد بين الأكراد وبغداد حول النفط والرواتب، وبين القيادات السنية والإطار التنسيقي، حول من يسيطر على النفوذ في المحافظات الغربية المحررة، وكيفية إصرار الأحزاب الولائية على بسط نفوذها وهيمنتها على هذه المحافظات بالترغيب والترهيب، وشراء الذمم، وهدر الترليونات على مرشحي الأحزاب الإيرانية في هذه المحافظات، بغية السيطرة عليها بأيّة طريقة.
وقد نجحت أيما نجاح في استمالة البعض من شيوخ العشائر المؤثرة، بالمال والسلاح، تمامًا كما فعلت في الوسط والجنوب، وما زيارات قادة الإطار للمحافظات، تأتي تأكيدًا لما نقول.
فالانتخابات على الأبواب، وهذه فرصة الإطار التنسيقي وأحزاب وإيران الأخيرة، في كسب ودّ المدن الغربية، والسيطرة على مقاعد مجلس النواب ومجالس المحافظات، بفوز نواب تابعين خاضعين للأحزاب، بعد أن أغرقتهم بالمناصب والأموال والمشاريع، وتزويدهم بالسلاح، وإنشاء أفواج حشد شعبي لهم، لتضمن ولاءهم لها وخضوعهم لقرارها في مجلس النواب والمحافظات.
وهكذا سيطر الإطار على المحافظات، بطريقة الترغيب والترهيب، أما من بقي خارج عباءة إيران والأحزاب الولائية، فهم قلة غير مؤثرة في القرار السياسي، وهذا ما تريده وتعمل عليه إيران.
فيما تحاول أمريكا العكس تمامًا، هو تحجيم النفوذ الإيراني، وإنهاؤه تمامًا في العراق، وحل حشده الشعبي ونزع سلاح فصائله التي تخضع لقرار الولي الفقيه الإيراني، لا لقرار حكومة السوداني، وهذا لا يروق لإدارة ترمب.
الإنذار الأمريكي الأخير يبدأ
فجاءت رسالة ترمب والبيت الأبيض للسوداني لتؤكد أن السوداني أمام فرصة أخيرة هو والإطار، وعليه معالجة الأوضاع سريعًا، قبل أن توجه أمريكا وإسرائيل صواريخهما إلى مقرات ومعسكرات الفصائل، وتغتال زعماء الفصائل ومن يدعمهم من زعماء الإطار، وهم ضمن أهداف البنك الإسرائيلي والأمريكي.
وقد لا تطول المدة، والإنذار الذي أبلغه روبيو للسوداني أقصاه الانتهاء من أيام عاشوراء، والأربعينية، وبعدها لا تنفع الندم، فجميع الخيارات مفتوحة لمعركة قد تطول، ولكنها بكل تأكيد محسومة النتائج، لمن يمتلك التفوق التكنولوجي والمعلوماتي والصواريخ الموجهة ليزريًا، وحسب بند الأهداف.
وقد عزز هذا الإصرار على المواجهة والحرب، هو قيام السلاح المنفلت بقصف حقول نفط في كردستان تشرف عليها شركات أمريكية، وهذا ما جعل إدارة الرئيس ترمب متيقنة أن الحل لن يكون دبلوماسيًا كما تريد، ولكن الحل العسكري هو الذي سيفرض نفسه، أمام إصرار السلاح المنفلت على المواجهة مع أمريكا، وفشل الإطار التنسيقي وحكومة السوداني من كبح جماح الفصائل والسلاح المنفلت، الذي يقصف حقول نفط استراتيجية تابعة لأمريكا في كردستان العراق، وحقول الغاز في بيجي والأنبار وغيرها.
إذا، وأزاء هذا المشهد الملتبس والضبابي، فإن المواجهة شبه حتمية بين إسرائيل وأمريكا والفصائل وإيران في العراق، وحسب خطة قاآني، فمن سيدفع الثمن؟
أقول: لن يدفع الثمن سوى الشعب العراقي، إذ سيهرب السلاح المنفلت إلى إيران، بعد اغتيالات لشخصيات كبيرة موجودة أسماؤها في بنك أمريكي، وسيدفع العراق ثمن تهور السلاح الخارج عن القانون، ويدخل العراق في النفق الأظلم.
فهل يتعظ الإطار وقادته، بما جرى للبنان والحوثي والأسد، أم سيركبهم العناد، وتدفعهم إيران نحو مجهول لا يخرجون منه؟ أجزم أن المجهول سينتظرهم، إذا ما أصروا على عنادهم، وعدم سماعهم لمنطق الحكمة والعقل، والانحناء لعاصفة ترمب، رغم قساوتها ورياحها الهوجاء، ولكن هي أفضل من مواجهتها، ودفع ثمن المواجهة ثمنًا باهظًا جدًا لكل العراقيين.
إنه الانتحار بعينه، ما لم تخضع حكومة السوداني وأحزاب الإطار لشروط ترمب، للخلاص من حرب خاسرة وغير متكافئة، تدفع بها إيران فصائلها وأذرعها لأجندتها ومشروعها الذي فشل في حربها الأخيرة مع إسرائيل وأمريكا، وغاب الهلال الشيعي الإيراني إلى الأبد.
وللحفاظ على برنامجها النووي، والإفلات من حرب مدمرة، هي المقصودة فيها وليس الفصائل الولائية، والأشهر القليلة ستكون حاسمة في تقرير مصير المنطقة كلها، سواء بالحرب على إيران وإكمال تدمير برنامجها النووي، أو إنهاء نفوذها إلى الأبد في المنطقة وقصقصة أجنحتها. فهي قرارات أمريكية وإسرائيلية وأوروبية، لا رجعة عنها، وإعادة العراق من عراق اللادولة إلى عراق الدولة…!!!!


