“صناع الملوك” يسحبون البساط من تحت أقدام سوريا مجدداً: بداية “تراجيديا إغريقية”

"صناع الملوك" يسحبون البساط من تحت أقدام سوريا مجدداً: بداية "تراجيديا إغريقية"
كشفت تصريحات جيمس جيفري أن دعم واشنطن لهيئة تحرير الشام جزء من خطة طويلة لتفكيك سوريا واستنزاف محور المقاومة، تحت غطاء مكافحة الإرهاب. المشروع الأمريكي-الإسرائيلي دمّر سوريا، لكنّه لم يحقق استقراراً، بل فجّر تناقضات بنيوية متصاعدة....

في مقابلة أجراها جيمس جيفري، السفير الأميركي الأسبق لدى العراق وتركيا، مع برنامج Frontline على شبكة PBS في مارس/آذار 2021، أوضح بكل صراحة النموذج الذي يجسد ما جرى مؤخراً في سوريا.

يقول:

“سوريا، بحجمها، وموقعها الاستراتيجي، وأهميتها التاريخية، تمثل النقطة المحورية في إمكانية إقامة نظام أمني تُديره الولايات المتحدة في المنطقة… ولذلك لدينا هذا التحالف العام المتماسك معنا. لكن… تبقى سوريا هي نقطة التوتر الأكبر.”

في تلك المقابلة، شرح جيفري سبب تحول دعم الولايات المتحدة إلى الجولاني و”هيئة تحرير الشام”، إذ ذَكرَ:

“حصلنا على استثناء من مايك بومبيو يتيح لنا تقديم دعم لهيئة تحرير الشام، وقد أرسلتُ وتلقيتُ رسائل من الهيئة. كانت رسائلهم تقول: نريد أن نكون أصدقاءكم، لسنا إرهابيين، نحن فقط نحارب الأسد.”

دعم أميركي خفي

عندما سأله المحاور إن كانت الولايات المتحدة تدعم المعارضة المسلحة بشكل غير مباشر، أجاب جيفري:

“كان من المهم بالنسبة إلينا ألّا تنهار هيئة تحرير الشام… كانت سياستنا هي ترك الهيئة وشأنها… وحقيقة أننا لم نستهدفها أبداً، ولم نرفع صوتنا قط للأتراك بشأن تعايشهم معها — في الواقع، استخدمت هذا المثال مؤخراً مع مسؤولين أتراك رفيعي المستوى عندما بدؤوا يتذمرون من علاقتنا بقوات سوريا الديمقراطية.”

وأضاف: “قلتُ لهم: تركيا تقول دائماً إنها تريد وجودنا في شمال شرق سوريا، لكنكم لا تفهمون. لا يمكننا التواجد هناك دون منصة، لأن لدينا فقط بضع مئات من الجنود هناك…. قلت: الوضع مشابه في إدلب…”

“أنتم تريدون التواجد في إدلب، لكنكم لا تستطيعون دون منصة، وهذه المنصة هي بالأساس هيئة تحرير الشام. وبخلاف قوات سوريا الديمقراطية، فإن هيئة تحرير الشام مصنّفة كمنظمة إرهابية رسمية من قبل الأمم المتحدة. هل سبق لي أو لأي مسؤول أمريكي أن اشتكى مما تفعلونه هناك مع الهيئة؟ إطلاقاً.”

يشير الأكاديمي البريطاني ديفيد ميلر إلى أن العالِم السني السوري البارز الشيخ محمد اليعقوبي، والذي يعارض الأسد، لم يقتنع عام 2015 بمحاولات الجولاني إعادة تسمية تنظيم القاعدة إلى “جبهة النصرة”. ففي مقابلة أجراها الجولاني مع قناة الجزيرة عام 2013، كرر ولاءه للقاعدة مرتين، مؤكداً أنه تلقى أوامر من زعيمها أيمن الظواهري بعدم استهداف الغرب، مع التشديد على تشدده إزاء من يعتبرهم “زنادقة”.

يعلق ميلر قائلاً: “بينما ارتدى تنظيم داعش البزات، وسمح للولايات المتحدة بتقسيم سوريا، وروّج للسلام مع الكيان الصهيوني، وسعى لاقتصاد السوق الحرة، وأبرم صفقات غاز مع رعاته الإقليميين، فإن “المؤمنين الحقيقيين” في الشتات السني لم يدركوا بعد أنهم قد تم بيعهم — كما كان مخططاً دائماً.”

ويضيف: “في السر، يسخر مخططو هذه الحرب في دول الناتو من إرسال الشباب السلفيين من أنحاء العالم كوقود مدافع إلى مفرمة اللحم. إن الرواتب التي تبلغ 2000 دولار لا تُقارن بثروات الغاز والبناء المتوقع ضخّها إلى خزائن تركيا وقطر وإسرائيل والولايات المتحدة. لقد دمروا فلسطين من أجل هذا، وسيقضون العقود الثلاثة القادمة في تبريره، اعتماداً على ما تمليه شركات العلاقات العامة باهظة الثمن التي استأجرها الناتو ودول الخليج… عملية تغيير النظام في سوريا هي عملية “سحب البساط” الأعظم في هذا القرن.”

حرب نفط وغاز

ويتابع كروك مُذكراً بأن ما قاله جيفري ليس جديداً

بين عامي 1979 و1992، أنفقت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) مليارات الدولارات لتسليح وتدريب المجاهدين الأفغان، مثل أسامة بن لادن، في محاولة لاستنزاف الاتحاد السوفييتي. ومن تلك الصفوف، وُلد تنظيم القاعدة.

وبحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ورغم أن الولايات المتحدة كانت تخوض “حرباً ضد القاعدة” في العراق وأفغانستان، فإنها كانت تتعاون معها سراً في سوريا لإسقاط الأسد. وقد أنفقت وكالة الاستخبارات الأميركية نحو مليار دولار سنوياً لتدريب وتسليح شبكة واسعة من الجماعات المتمردة. وكما قال جيك سوليفان لهيلاري كلينتون في بريد إلكتروني مسرب عام 2012: “القاعدة في صفنا في سوريا” — حسبما وثق آلان ماكليود في Consortium News

تُؤكد تقارير الصحافة التركية أيضاً هذا السيناريو. يكتب عمر أونهون، السفير التركي الأسبق ونائب وكيل وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وآسيا:

“لقد تم التخطيط لعملية الإطاحة بنظام الأسد بدقة متناهية على مدى أكثر من عام، وبمشاركة منسقة من تركيا والولايات المتحدة ودول أخرى. ومن خلال تصريحات متعددة، يتضح أن رحيل الأسد كان نتيجة شبكة معقدة من التفاهمات بين جميع الأطراف تقريباً. ورغم سعي هيئة تحرير الشام لتغيير صورتها، فإن هذا التحول لم يُثبت بعد.”

هذه القصة لها جذور أقدم. ففي صيف عام 2006، بعد الحرب الفاشلة التي شنتها إسرائيل على حزب الله، كان ديك تشيني في مكتبه مُتذمراً من استمرار قوة حزب الله، والأسوأ من ذلك، من أن إيران بدت وكأنها المستفيد الأكبر من غزو العراق.

وكان ضيفه، رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك الأمير بندر بن سلطان، يوافقه بشدة، وأعلن بشكل مفاجئ أن إيران ما تزال قابلة للاحتواء، وأن سوريا هي الحلقة الأضعف التي يمكن إسقاطها من خلال تمرد إسلامي. فقال لتشيني: “اترك الأمر لي.”

وقد نقل بندر لمساعد تشيني، جون حنا: “يعلم الملك أنه باستثناء سقوط الجمهورية الإسلامية، لا شيء سيضعف إيران أكثر من خسارتها لسوريا.”

لكن تلك المحاولة الأولى باءت بالفشل، وأدت إلى حرب أهلية دموية، انتهت بنجاة حكومة الأسد.

بحسب كروك، فإن جيفري، عام 2021، كان يكرر نفس السيناريو ولكن بنسخة محدثة: لم يكن المشروع إلا “هندسة معكوسة” لعملية الإسقاط السابقة — إذ تم تجميع مزيج من الميليشيات الجديدة، تتألف أساساً من مقاتلين سابقين (من غير السوريين غالباً) في القاعدة/النصرة وداعش، بقيادة المخابرات التركية، وتمويل قطري.

وهكذا، تفككت سوريا ونُهبت باسم “تحريرها من داعش” — التي كانت واشنطن نفسها قد ساعدت على ظهورها، ثم استخدمتها لاحقاً كذريعة لاحتلال شمال شرق سوريا. وبنفس الطريقة، فإن الخطة غير المُعلنة كانت تهدف إلى أسلمة سوريا العلمانية — بنظامها القضائي الفرنسي الأصل — لتبرير الهجمات الإسرائيلية وضم الأراضي، باعتبارها رداً على “تهديدات الجهاديين”.

يضيف كروك:

رغم عدم وجود إثبات قاطع، فإن المسوحات الزلزالية قبيل اندلاع الحرب السورية عام 2011 أشارت إلى احتمال وجود احتياطات نفطية وغازية كبيرة. كما أن إعادة الإعمار ستكون منجم ذهب لقطاع البناء التركي المتعثر.

يتساءل كروك: لماذا يُدمرون سوريا رغم أن جيشها لم يشكل تهديداً حقيقياً لإسرائيل؟

يجيب البروفيسور جون ميرشايمر:

“هدف إسرائيل هو تدمير سوريا ببساطة. ومع أن إسرائيل ليست الطرف الرئيسي، فإن الدور الأميركي والتركي كان أكبر بكثير في ذلك.”

ويضيف: “البلد مُدمَّر، ولا أحد يتوقع أن يستطيع المتمردون استعادة النظام هناك… ومن وجهة نظر إسرائيل، هذا وضع مثالي.”

وكان صقور واشنطن المعادون لروسيا يأملون أن تقع روسيا في فخ سوريا المُدمرة، فتُستنزف في مستنقع الشرق الأوسط.

وكل هذا يُعيدنا لتصريح جيفري:

“سوريا، بحجمها وموقعها وأهميتها، هي المحور في إمكان إقامة نظام أمني أميركي في المنطقة.”

سوريا كانت دائماً – منذ عام 1949 – هي الكفة الموازنة لإسرائيل في المنطقة. والآن، لم تبقَ سوى إيران لتوازن الطموح الإسرائيلي نحو “إسرائيل الكُبرى”. وليس من الغريب إذاً أن تسعى إسرائيل لتحريض أميركا على حملة تدمير أخرى — هذه المرة ضد إيران.

أما عن روسيا، فمن المؤكد أن أجهزتها كانت على علم مسبق بما يُحاك في إدلب، فالمشروع السوري مستمر منذ السبعينيات (عبر معهد هدسون والسيناتور سكوب جاكسون).

كان الأسد، على مدى أربع سنوات، يُرسل إشارات يائسة عبر السعودية والإمارات ومصر سعياً للتقرب من الغرب، آملاً في التطبيع مع واشنطن وتخفيف العقوبات. لكن خطته فشلت.

من المرجح أن تتحول سوريا إلى تراجيديا إغريقية حقيقية، حيث تتجسد المأساة من خلال أدوار اللاعبين أنفسهم. ومن المتوقع تجدُّد التوترات العرقية والطائفية الكامنة، واندلاع حرائق، بينما تقف روسيا على الهامش، رافضة التورط.

لقد حصل التحالف الأميركي-الإسرائيلي أخيراً على سوريا. وأي فوضى ناتجة تقع على عاتقهم. وربما تمتد التداعيات إلى أزمة طاقة وأمن اجتماعي في أوروبا، بينما تتلذذ إسرائيل بما تعتبره “انتصاراً”.

ولكن، “انتصارٌ بماذا؟”

يجيب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بوغي يعالون:

“نهج الحكومة الإسرائيلية الحالية هو الغزو، والضم، والتطهير العرقي، وإقامة المستوطنات اليهودية. وتُظهر استطلاعات الرأي أن حوالي 70 في المئة من الإسرائيليين، أو أكثر، يؤيدون هذا التوجه، ومع ذلك يريدون لإسرائيل أن تكون ديمقراطية ليبرالية.”

ويختم: “هذا الطريق المتناقض سيقودنا إلى الهلاك.”

فما هي نهاية هذا المشروع الصهيوني؟

هناك أكثر من سبعة ملايين فلسطيني بين النهر والبحر — هل سيختفون جميعاً من على الخريطة؟

بقلم: أليستير كروك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *