في ممر ترامب ولعبة الممرات البرية الجيواقتصادية بين الصين والولايات المتحدة وإيران وتركيا والعراق! أطراف تربح، وأطراف تخسر!
دأبت الصين طوال أكثر من عقد في تطوير شبكتها البرية والبحرية للنقل لضمان تحقيق استراتيجيتها العالمية في الوصول لأسواقها الاستهلاكية في أوروبا وغرب آسيا من خلال مسارات متنوعة تضمن انسيابية تجارتها دون معرقلات جيوسياسية!
وقد انطلقت مبادرة الحزام والطريق الصيني التي اعتمدت بحرياً على المسارات البحرية التقليدية وأضافت لها العديد من المسارات السككية البرية عبر (الممر الشمالي) الواصل لأوروبا عبر روسيا، وبدأت بعدها في تطوير (الممر الأوسط) عبر دول آسيا الوسطى فتركيا ثم أوروبا!
الممرات البرية وموازين القوى
حتى جاءت المصالحة الأذرية الأرمنية التاريخية قبل يومين والتي تضمنت اتفاقاً بإنشاء ممر بري يربط بين أذربيجان وتركيا بإسم (ممر ترامب)، يضمن التدفقات التجارية شرقاً وغرباً من خلال تمويل وإشراف وإدارة من قبل الأمريكان!
الصين من جانبها، ستعتبر ان هذا الممر الجديد قد جاء لها كهدية من ترامب من حيث يعلم او لا يعلم، وستكون الفرصة كبيرة أمام الصين لربط ممرها الأوسط من خلال ممر ترامب ومن ثم نحو تركيا فأوروبا، وهذا ما يجنبها عملية الربط البحري المكلف عبر بحر قزوين!
فرصة الصين تبدو كبيرة للاستفادة من هذا الممر، لأسباب كثيرة منها ان المسارات السككية تتطلب رؤوس أموال وكلف تشغيلية عالية تضمن استمرارية عمل تلك المسارات، وهذا يتطلب تدفقات كبيرة من الحاويات بشكل مستمر لتغطية التكاليف العالية وتحقيق هامشاً معقولاً من الربح!
وبدون التجارة الصينية الكبيرة لن تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق الجدوى الاقتصادية المطلوبة لمسار ترامب البري، وستضطر لتوقيع اتفاقية عبور مع الصين تسمح لها باستغلال هذا الممر ودفع رسوم عبور، أي بدون التجارة الصينية سيفشل الأمريكان في الاستمرار في تحمل الكلف العالية لهذا المسار!
الخاسرون في اللعبة الجيواقتصادية
تركيا من ناحية أخرى، هي الرابح الثاني من انطلاق هذا المسار، حيث سيحقق لها ارتباطاً برياً استراتجياً مع حليفتها أذربيجان، كما وسيسمح بتدفق كبير للبضائع الصينية نحو اوروبا والتي ستمر بالكامل عبر أراضي تركيا مما سيولد عوائد وفرص عمل هائلة للأتراك!
في ظل كل هذه الدراما الجيواقتصادية، قد تخرج إيران خالية الوفاض من هذه اللعبة، وستنتهي أمالها في جذب الممر الأوسط الصيني للمرور عبر أراضيها بعد انطلاق وتشغيل ممر ترامب على حافة حدودها الشمالية!
لكن يبقى لديها أمل في إنشاء وصلة سككية برية ترتبط بها مع المسار السككي القادم من الصين شرقاً لزيادة حجم التبادل التجاري مع الصين، دون ان يكون لإيران أي دور في ربط الشرق مع الغرب من خلال جغرافيتها، وانتظار الصين لإطلاق الممر الجنوبي مستقبلاً والذي لايزال على الورق وتواجهه العديد من الصعوبات!
أما العراق وطريق تنميته، فبعيد أساساً عن هذه اللعبة نتيجة بعده الجغرافي عن تلك الشرايين البرية الاستراتيجية، لكن فرصته مواتية في ربط مسار طريق التنمية مع المنظومة التركية السككية الرابطة مع أوروبا وكما وضحت في منشورات سابقة!
باختصار فإن أكبر الرابحين في هذه اللعبة، هم الصين وتركيا، وأبرز الخاسرين هي إيران. أما الولايات المتحدة فحساب الربح والخسارة لها ستحدده طبيعة علاقتها واتفاقاتها مع الصين في هذا الإطار، وإن أخفقت في الاتفاق مع الصين، فمكانها محجوز في قائمة الخاسرين!


