عند قراءتي لمقالة الدكتورة نادية هناوي (من الحكاية الشعبية العربية انحدرت كل الأنواع السردية- مع السومريين ولدت القصص الخيالية ومع العرب انتشرت) والمنشورة في جريدة العرب اللندنية الاحد 6 تموز 2025، يتبدّى لي –على أقل تقدير- أن شغف الباحثة بتأكيد مركزية الحكاية الشعبية العربية قد قادها إلى تعميمات تتجاوز ما تتيحه أدوات المقارنة النصية واللسانية، إذ إن إعلانها أن ((ما نراه هو أن السومريين هم المصدر والأصل، بدليل وجود مشتركاتٍ ثيماتيةٍ وفنيةٍ في حكايات الأمم القديمة))، يُحول التشابه في العناصر السردية إلى قرينة قطعية على وحدة الأصل، وهو منطق يتجاهل ما نبه إليه (آلان دوندس Alan Dundes) في كتابه (تفسير الفلكلور)1، من أن هذا النوع من الاستدلال يعامل المادة الفولكلورية كما لو كانت كياناً ثابتاً له وجود موضوعي يمكن تتبعه زمنيّاً وجغرافيّاً، في حين أن الحكاية الشعبية كثيراً ما تولد من حاجات رمزية وثقافية تتكرر في مجتمعات متباعدة، ولا ضرورة لوجود أصل واحد مشترك.
لا يخلو هذا النوع من الخطاب الذي يسمى خطاب “المركز المصدري” (Urzentrum) أو (Source Center)، إن صحت الترجمة العربية، من بُعد هيمني؛ من زاوية نظر ما بعد كولونيالية، إذ يعيد إنتاج سردية الأصل الواحد بصورة عكسية، والتي رسختها المراكز الإمبريالية في سعيها لتحديد منابع “الحضارة” و”الثقافة” وفق منطق يُقصي إمكانيات النشوء المتعدد والموازي، حيث يندرج ربط الحكايات الشعبية بمركز حضاري مفترض – سواء كان سومرياً أو يونانياً أو هندياً– ضمن ما سماه إدوارد سعيد بـ”التمركز الغربي” في قراءة الآخر، إذ تتحول الحكايات إلى أدلة إثنوغرافية تؤسس لتراتبية ثقافية أكثر من كونها أنماطاً سردية حية ومتعددة.
ما يعترض عليه علم الفولكلور الحديث هو هذا النمط من التفكير، كنموذج “شجرة النسب الأحادية” أو “المركز المصدري”، والذي تجاوزه وتخطاه الى مديات أكثر انفتاحاً، لأن هذا النموذج، كما يرى دوندوس، يفترض مسبقاً وجود نسخة أولى مثالية لجميع الحكايات، يمكن تتبعها عبر قنوات الانتقال الثقافي، وهي فرضية تتسم بالتبسيط، وتغفل إمكان نشوء نفس البنية السردية في أكثر من بيئة دون تماس مباشر.
لذلك فإن تصنيف (ATU)2، يُعد تجاوزاً منهجياً لذلك التصور التمركزي، إذ يتعامل مع الحكاية الشعبية بوصفها نتاجاً ثقافياً متعدد المنشأ، تتقارب وفق بنياتها النصية ووظائفها السردية لا وفق سلالاتها الجغرافية، وهو ما يعيد الاعتبار لتجارب الشعوب المحلية ومخيّلاتها الرمزية دون إخضاعها لنظام سردي ذي مركز خارجي.
إنّ الدراسات العلمية التي تبحث في تواشج الأساطير، تكتفي بالحديث عن «احتمال تأثير» لا عن «يقين انحدار»، ويعد تحويل «الاحتمال» إلى «يقين» دون تتبّع مسار هذه الحكايات، ولا توضيح وسائط الترجمة بين اللغات، ثغرة منهجية تُضعف البناء الاستدلالي بكامله.
أما الركون إلى التشابه بين حكاية الثعلب في ملحمة “إيتانا” ونظيراتها عند إيسوب ولافونتين بوصفه دليلاً على وجود خط سردي واحد متصل من سومر إلى أوروبا الحديثة، فيكشف عن نزعة إسقاطية تسعى إلى إنتاج نسبٍ ثقافي متخيل، أكثر مما تكشف عن تحليل بنيوي أو تداولي لمسارات النصوص، فحين تعتمد الدكتورة نادية هناوي هذا الطرح، فإنها تعيد إنتاج التصور نفسه الذي كان قد تبنّاه الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، وغيره من الباحثين والنقاد العرب، ولكن دون مساءلة منهجية للافتراضات التي تُكوِّن هذا التصور.
ففي مقدمة ترجمته لكتاب حكايات من لافونتين3، يقول جبرا بوضوح أنّ ((جان دي لافونتين (1621- 1695) في مقدمته لحكاياته، أنه استقى الكثير من حكاياته من حكايات أيسوب، وبما أن الناس يعرفونها من قراءاتهم في الأدب اليوناني القديم، فقد رأى أن يعيد صياغتها شعراً ليضيف إليها طراوة وروحاً جديدة)) (ص6). غير أنه لا يتوقف عند هذا فقط، بل يتوسع في قراءة العلاقة بين أيسوب وبابل، مقترحاً أن ((الأمر الذي يبعثنا على الظن أن العديد من حكاياته كان مصدرها في الواقع التراكم المعرفي البابلي نفسه: أي أنها تعود في أصولها إلى الآداب الرافدينية ومأثوراتها في فترتها البابلية المتأخرة، وما من ريب في أنها، وقصصاً مماثلة لها، انتشرت فيما بعد شرقاً أيضاً حتى بلغت الهند، وتطورت، وبعد قرون عاد الكثير منها، بشكل أو بآخر، إلى العراق من جديد، وبخاصة في كتاب كليلة ودمنة)) (ص16)، غير أن هذه الدائرة التي يرسمها جبرا -والتي يبدو أن هناوي تتبناها على نحو ضمني- هي في جوهرها دائرة تأويلية تقوم على افتراضات ثقافية ظنية، لا على دلائل نصية أو تاريخية موثقة، إذ أن إعادة تصدير حكايات أيسوب بوصفها بابلية الأصل، ثم تتبعها إلى الهند وعودتها إلى العراق عبر كليلة ودمنة، تفتقر إلى التحليل النقدي للمسارات الفعلية المفترضة، بل تتعمد تجاهل قنوات الترجمة الفارسية، والدور الفعلي للهندوسية والبوذية في تشكيل هذه الحكايات، والتي انتقلت إلى العربية بعد رحلة معقدة لم توثقها هذه القراءة.
ويبلغ جبرا ذروة افتراضه حين يشير في هامش الصفحة نفسها إلى أن ((من المهم أن يُلاحظ أن لافونتين، بدءاً بمجموعته الثانية، يعترف في توطئته لها باستقائه عن حكايات الحكيم الهندي بيديا، وذلك عن ترجمة فرنسية مختصرة)) (هامش ص16)، ولكنه في الصفحة التالية يتجه إلى مزيد من التجريد حين يقول ((وكأنه يؤيد ما نذهب إليه من أن أصل الحكاية هو حضارة بلاد العرب في أقدم أشكالها، هذا إذا لم يكن بيديا وأيسوب ولقمان الحكيم هم جميعا الكاتب نفسه مدعواً بأسماء ثلاثة)) (ص17)، حيث يكشف في هذا الاقتباس، تحديداً، الخلل المنهجي، إذ يتحول النسب السردي -إن جازت لي التسمية- إلى طرح يُماهي بين ثلاثة أعلام ينتمون إلى ثلاث تقاليد ثقافية متباينة، الهندية واليونانية والعربية، ويفترض وحدة المؤلف خلفها، وهي فرضية تُفرغ التاريخ وتحيله إلى سردية منشأ تتغذى على التخييل الثقافي.
إنّ تعويل الباحثة على هذا النوع من الطرح دون تفكيكه أو مساءلته، يُسقط بالضرورة الحلقات الوسيطة التي تشكل البنية الحيوية لانتقال الحكايات عبر الثقافات، ويُعيد صياغة التاريخ بوصفه شجرة نسب تُفضي بالضرورة إلى أصل مشرقي واحد، وإن تجاهل النصوص الوسيطة، هو تغييب لبنية تداول مركزية، لا يمكن أن يُختزل وجودها لصالح فرضية “الرافد الأول”، إنّ إغفال هذا التسلسل المعقّد يعيد الحكاية إلى وهم الأصل، لا إلى واقع العبور الثقافي الذي ميّز نشأتها وتحولها في الذاكرة الإنسانية.
لذلك أفترض أن الأدق، والأكثر علمية، هو أن نعترف بأنّ التشابه لا يدل على النَسب، وأنّ البنية المتكررة لا تثبت انتقالاً مباشراً، وأنّ الحكاية الشعبية بطبيعتها تميل إلى التوليد التلقائي في بيئات ثقافية متعددة، استجابةً لاحتياجات رمزية وجمالية واجتماعية متقاربة، أما الاكتفاء بفرضية التأثير المتخيل دون مساءلة، فإنه لا يُنتج معرفة سردية، بل يعيد إنتاج خطابات هوية مغلقة لا تقوى على الدخول في حوار نقدي مع التعدد والتشعب والتداخل الذي يشكل جوهر السرد الشعبي منذ نشأته الأولى.
الهوامش
1- مع الأسف، وعلى الرغم من أنني كنت أحتفظ بنسخة من هذا الكتاب المهم ضمن مكتبتي الإلكترونية، إلا أنني لم أتمكن من العثور عليها مؤخراً، لذلك، أرجو أن تكون الإحالة إلى المراجعة النقدية المنشورة عنه كافية لتوضيح ما قصدته:
Elliott Oring, Review of Interpreting Folklore by Alan Dundes, The Journal of American Folklore, Vol. 96, No. 379 (Jan.–Mar., 1983), pp. 84–88.
2- تصنيف “آرن-تومپسون-أوثر” أو ما يُعرف اختصاراً بـ ATU Classification (Aarne-Thompson-Uther Classification) هو نظام علمي لتصنيف أنماط الحكايات الشعبية (folk tale types) في الأدب الشفاهي، وخاصة القصص الخرافية والأسطورية والنوادر والأساطير.
3- حكايات من لافونتين، اختارها وترجمها وقدم لها جبرا إبراهيم جبرا، وزارة الثقافة والاعلام دار ثقافة الطفل، ط1 بغداد 1987


