زيارة الأربعين: رمز المقاومة والوحدة في الأمة الإسلامية

زيارة الأربعين: رمز المقاومة والوحدة في الأمة الإسلامية
تجسّد زيارة الأربعين رمزًا للوحدة والمقاومة، وتتقاطع روحيًا مع مأساة غزة، حيث تُعيد الأمة قراءة مفاهيم الظلم والكرامة. الربط بين كربلاء وفلسطين يعزز خطابًا إسلاميًا جامعًا يتجاوز المذاهب وينبثق من ضمير الشعوب لا الحكومات...

المقدمة

في خضمّ الاضطرابات السياسية والأزمات الاجتماعية التي تعصف بالعالم الإسلامي، قلّما نجد ظاهرة تضاهي المسيرة المليونية في الأربعين من حيث قدرتها على تحقيق التقارب وصناعة المعنى وتعزيز الوحدة بين شعوب الأمة الإسلامية. فالأربعين، بوصفه أكبر تجمع ديني في العالم، لم يعد مجرد مناسبة شيعية دينية، بل أضحى رمزًا حضاريًا يعكس ارتباط الإيمان بالتضحية والهوية الجماعية.

وقد تجاوز هذا التجمع الحدود الجغرافية والعقدية، ليصبح فضاءً لإعادة قراءة معاني مناهضة الظلم والمطالبة بالعدالة على الصعيد العالمي. ومن جهة أخرى، تحوّلت قضية فلسطين، ولا سيما مأساة غزة، إلى اختبار حيّ لمسؤولية المسلمين وتضامنهم. الرابط المشترك بين هاتين الظاهرتين يتمثل في السردية الموحدة حول المظلومية، والمقاومة، والأمل.

الأربعين: تجلٍّ واقعي للتضامن الديني والشعبي

لقد أصبحت مسيرة الأربعين، في السنوات الأخيرة، حقيقة ثقافية واجتماعية راسخة في العالم الإسلامي. حيث يسير ملايين الزوار مشيًا على الأقدام، لمسافات تمتد مئات الكيلومترات، من مختلف المدن العراقية باتجاه كربلاء. هذه الظاهرة، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية والمناخية، تشهد نموًا مطّردًا كل عام، وتُعَدّ مؤشرًا على إحياء مفهوم “الأمة الواحدة” بين المسلمين.

ومن أبرز خصائص هذا الحدث، المشاركة الشعبية غير المسبوقة والخدمات التطوعية؛ حيث تنتشر المواكب التي تقدم المأوى المجاني، الطعام، العلاج، والدعم النفسي، في تجلٍّ ملموسٍ للتدين الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، لا تُعدّ الأربعين مجرد طقس ديني، بل شبكة من المعاني الثقافية والرمزية، تُعيد إنتاج مفاهيم من قبيل مناهضة الظلم، نصرة المظلوم، والثبات أمام الاستكبار، بطريقة طبيعية وعفوية. ومن هنا، برز حضور فلسطين —لا سيما في السنوات الأخيرة— بقوة لافتة في المسيرات؛ من خلال الأعلام، الشعارات، والرموز الفلسطينية التي اندمجت في قلب هذه الشعائر، كأنها حوار حي بين كربلاء الأمس وغزة اليوم.

غزة: تجلٍّ للألم المشترك في جسد الأمة

في أكتوبر 2023، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي جولة جديدة من الهجمات الوحشية على قطاع غزة، اتّسمت بوحشية غير مسبوقة. وبحسب وزارة الصحة في غزة، فقد تجاوز عدد الشهداء، حتى نهاية يوليو 2025، 60,800 شهيد، غالبيتهم من المدنيين، من بينهم أعداد هائلة من الأطفال والنساء وكبار السن. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ نحو 80% من الضحايا هم من المدنيين.

وقد أدى الحصار الكامل المفروض على غزة من قبل الكيان الصهيوني إلى انهيار البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك أنظمة الصحة والمياه والكهرباء والغذاء. وتفيد بيانات منظمات دولية كمنظمة الصحة العالمية (WHO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) بأنّ قرابة 500,000 شخص على وشك المجاعة التامة، وأنّ أكثر من 90% من سكان غزة بحاجة ماسة إلى المساعدات الفورية.

يموت الأطفال جوعًا، وأعداد كبيرة منهم ترقد في المستشفيات نتيجة سوء التغذية الحاد (SAM). لقد غدت غزة اليوم ليست مجرد أزمة إنسانية، بل مرآة تعكس حجم الظلم العالمي، حيث تصرخ الإنسانية وسط أنقاض الحرب والجوع، ولكن دون أن يُسمع لها صوت.

وبين كربلاء وغزة مسافة قرون، لكن روح المقاومة والصمود توحّدهما. فواقعة كربلاء تمثل قصة وحدة الحق في مواجهة منظومة الجور، فيما تُجسّد غزة رواية معاصرة لمقاومة جماعية وسط الحصار والإذلال الدولي. بقي الإمام الحسين(ع) وحيدًا يوم عاشوراء، ولكن دمه بقي حيًا نابضًا في التاريخ. وكذلك غزة، بقيت وحدها، لكنها حرّكت ضمائر الأمة.

وغالبًا ما يُشاهد في مسيرات الأربعين زوار يحملون صور شهداء غزة من الأطفال، تعبيرًا عن التضامن العميق بين عاشوراء وغزة. ولهذا السبب، اعتبر العديد من العلماء والمفكرين والمحللين أنّ فلسطين هي “كربلاء العصر”.

وبفضل قدرة الأربعين على استحضار المفاهيم التاريخية، يُمكن تحويله إلى منبر عالمي لإيصال صوت المظلومين في فلسطين، صوت يخرج من عمق المأساة، لكنه يحمل الأمل والإصرار.

الأربعين كمحور لوحدة الأمة الإسلامية

في زمن يشهد فيه العالم الإسلامي صراعات داخلية، وتناحرات مذهبية، وتدخلات خارجية، يُمكن للأربعين أن يتحوّل إلى محور جامع يوحّد المسلمين. إنّ مشاركة بعض أهل السنة، وحضور المسيحيين، ووجود نشطاء مناهضين للعنصرية والرأسمالية من الدول الغربية، يعبّر عن اتساع أفق هذا الحدث وتأثيره العابر للحدود.

وفي هذا السياق، تُمثّل فلسطين مسألة جامعة تتجاوز الانتماءات المذهبية، وتُتيح فرصة لحوار مشترك بين المسلمين.

وبحكم طبيعته الشعبية وغير الرسمية، يُمكن للأربعين أن يكون صوت الشعوب لا الحكومات؛ فالدعم لغزة في هذا السياق لا يُفهم كموقف سياسي، بل كواجب أخلاقي وشرعي وإنساني. هذا المنظور، قادر على تخطّي حواجز السلطة، وصناعة نموذج جديد من الوحدة في الأمة الإسلامية، وحدة تنبع من الألم والمسؤولية المشتركة.

الخاتمة

الأربعين هو تجلٍّ حيّ للإيمان والتضامن في سياق التاريخ، وهو لا يقتصر على استحضار واقعة ماضية، بل يشكل رواية معاصرة للفعل الديني والاجتماعي. أما غزة، فهي جرح نازف في جسد الأمة، ورمز لاستمرار الظلم والمقاومة في هذا العصر.

إن الربط بين هذين الحدثين يُمكن أن يؤسس لخطاب جديد في العالم الإسلامي، خطاب يكون فيه الدفاع عن المظلوم، والعمل بمقتضى الدين، وتحقيق الوحدة، ليس مجرد شعارات، بل مشروعًا حضاريًا وتاريخيًا.

فإذا لم نكتفِ باعتبار الأربعين مجرد شعيرة، بل رأيناه ميدانًا لإعادة قراءة الحقيقة والعدالة والمقاومة، لأمكن أن يتحوّل إلى أعظم منبر لنصرة فلسطين، ومرآة لوحدة الأمة الإسلامية. وكما كان الإمام الحسين(ع) منارَ هداية، يمكن أن تكون غزة اليوم رمزًا لانبعاث الضمائر الحية في زماننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *