المقدمة
تدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة تحول استراتيجي كبرى في بنيتها الأمنية والدفاعية على خلفية المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل التي استمرت اثني عشر يومًا وانتهت بهدنة غير مستقرة. وقد كشفت تلك الحرب عن ثغرات بنيوية في منظومة القيادة والسيطرة واتخاذ القرار دفعت القيادة الإيرانية بقيادة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي إلى إطلاق مشروع لإعادة هيكلة الأمن القومي وتحديث العقيدة العسكرية والمؤسسات ذات الصلة.
ضمن هذا الإطار برزت خطوات محورية من بينها تأسيس “مجلس الدفاع” كقيادة عسكرية جديدة يقودها الرئيس الإيراني بزشكيان مع شخصيات مخضرمة بارزة مثل علي لاريجاني . تأتي هذه التحولات استجابة لخلل تنسيقي واضح واجهته طهران خلال الأزمة الأخيرة . كما تعكس استعداد النظام لخوض مرحلة أكثر تصعيدًا وتنظيما خلال الأيام القادمة في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة وضغوط غربية متزايدة.
*الأسباب الموجبة لتشكيل المجلس
أظهرت الحرب الأخيرة مع إسرائيل محدودية آلية القيادة التقليدية في إيران حيث تعذّر الوصول إلى القائد الأعلى في الحظات الحرجة من المواجهة مما أدى إلى اتخاذ قرارات استراتيجية من دون غطاء شرعي مباشر ادة الى تشتت القوة و تعدد مصادر القرار وفقدان القيادةوالسيطرةالمركزية . أن تعذّر الاتصال بالسيد المرشد والرئيس بزشكيان خلال مفاوضات وقف إطلاق النار اضطر المسؤولين وعلى رأسهم عباس عراقجي والجنرال محمد باكبور إلى قبول المبادرة الأمريكية بشكل انفرادي.
هذا القرار أثار انتقادات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية وأظهر خللًا حادًا في منظومة اتخاذ القرار أثناء الطوارئ. وقد دفع ذلك إلى تأسيس هيئة عليا بديلة تمتلك صلاحيات استثنائية بما يضمن استمرارية القيادة والقرار في حال غياب القائد الأعلى أو تعذر التواصل معه.
الرؤية
ترتكز الرؤية الإيرانية الجديدة على إعادة تنظيم مركز القرار الوطني وفرض توازن بين الحزم العسكري والعقلانية السياسية من خلال:
- إعادة هندسة الأمن القومي بطريقة تضمن إدارة فعالة للصراعات الإقليمية والدولية.
- تثبيت التوازن التكنوقراطي – العقائدي في بنية القرار عبر إشراك كوادر ذات خبرة ومعرفة شاملة أمثال علي لاريجاني.
- اعتماد مقاربة دفاعية هجينة ترتكز على الردع العسكري والمرونة الدبلوماسية بما يسمح بالتفاوض والتهديد في آنٍ معًا ضمن معادلة القوة الإقليمية.
الأهداف
تسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تحقيق الأهداف التالية:
- تعزيز الردع الشامل وبناء قدرة عملياتية قادرة على خوض حرب متعددة الجبهات ضد إسرائيل وحلفائها إذا لزم الأمر.
- تقسيم المهام والمسؤوليات بين مجلس الدفاع والمجلس الأعلى للأمن القومي لضمان التخصص والفعالية بين المسارين السياسي والعسكري.
- تحسين صناعة القرار الأمني من خلال مركزية مرنة تعتمد السرعة و الوضوح وتجنب التداخل المؤسسي.
- تحقيق التكامل العملياتي بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بما يضمن الاستجابة المنسقة للتحديات الداخلية والخارجية.
- إعادة ضبط التموضع السياسي والدبلوماسي من خلال قراءة جديدة للواقع الدولي مع التركيز على الانفتاح الانتقائي في الملف النووي والخيارات السياسية.
مراجعة الخطة الدفاعية ورفع كفاءة القوات المسلحة
في ضوء التحولات الأخيرة بدأت إيران بإجراء مراجعة شاملة للخطط الدفاعية الوطنية في إطار استجابة استراتيجية للتحديات المتصاعدة على المستويين الإقليمي والدولي. وقد شملت هذه المراجعة المحاور التالية:
- تقييم شامل للتهديدات التقليدية وغير التقليدية مع التركيز على التهديدات المركبة الناتجة عن التعاون الاستخباري والتقني بين إسرائيل والولايات المتحدة إضافة إلى الأخطار الناشئة عن الجماعات المسلحة المناوئة للنظام والدعم الخارجي الموجه لها.
- تطوير بنية القوات المسلحة على مستوى الهيكل التنظيمي والجاهزية العملياتية مع إيلاء أهمية خاصة لتحديث قدرات القوات الجوية والبرية وتكثيف برامج التدريب والتأهيل الاحترافي بما يتناسب مع طبيعة الحرب الهجينة.
- تنفيذ تدريبات عسكرية واسعة النطاق تعكس حالة استعداد غير مسبوقة منذ الحرب العراقية–الإيرانية وتشمل محاكاة لسيناريوهات الحرب متعددة الجبهات برية بحرية جوية مع التركيز على العمليات المشتركة والقدرات الدفاعية والهجومية في الوقت ذاته.
- تحديث أنظمة القيادة والسيطرة وتعزيز القدرة على الردع السريع خصوصًا في المناطق الحدودية والجبهات الحساسة من خلال توسيع مراكز القيادة التكتيكية وتحسين أنظمة الاتصالات المشفرة وربط الوحدات القتالية بشبكات متكاملة للإنذار المبكر.
- تطوير منظومة القيادة والسيطرة عبر تحديث البنى التنظيمية والتقنية واعتماد مبدأ وحدة القيادة ومصدر القرار بما يضمن سرعة الاستجابة وانسيابية اتخاذ القرار والتنسيق الفعال بين مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية خصوصًا في حالات الطوارئ والتصعيد المفاجئ.
- إعادة تسليح الدفاع الجوي عبر إدخال منظومات صينية متقدمة تشمل رادارات بعيدة المدى وصواريخ أرض–جو قادرة على مواجهة تهديدات متطورة كالمسيّرات الهجومية والطائرات الشبحية مما يسهم في بناء مظلة دفاعية متعددة الطبقات.
- التصدي للخرق الاستخباري الذي نفذه الموساد عبر تنفيذ حملات أمنية واسعة استهدفت تفكيك الخلايا النائمة واعتقال المئات من العملاء والجواسيس ومصادرة عدد كبير من الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة التي كانت تُستخدم في أعمال التجسس والتخريب والاغتيال. وقد ترافقت هذه العمليات مع تشديد الرقابة على المراكز الحساسة ومراجعة إجراءات الأمن الداخلي.
- اتخاذ تدابير سيبرانية مشددة لتعزيز الدفاع الرقمي ومواجهة الهجمات الإلكترونية المعادية من خلال تحديث البنى التحتية الإلكترونية للمؤسسات العسكرية والحكومية وتوسيع قدرات الرصد والاستجابة الفورية وإنشاء وحدات متخصصة بالحرب السيبرانية ضمن تشكيلات الحرس الثوري والجيش النظامي.
- إيجاد بدائل استراتيجية للأذرع المسلحة التقليدية التي تراجعت فاعليتها في سوريا ولبنان والعراق واليمن من خلال تعزيز الاعتماد على القدرات الصاروخية الفرط صوتية والطائرات المسيّرة الانتحارية كأدوات ردع وهجوم مرنة بعيدة المدى وعالية الدقة والتأثير وذلك لتقليل الاعتماد على الحلفاء الإقليميين وتثبيت أدوات التأثير عن بُعد.
- العمل على تعزيز الصناعة الدفاعية الذاتية كجزء من الأمن القومي الصناعي من خلال توسيع خطوط الإنتاج المحلية وتطوير الكفاءات التكنولوجية الوطنية خاصة في مجالات الطيران المسير و الصواريخ و الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
وتعكس هذه الإجراءات تحوّلًا واضحًا في العقيدة العسكرية الإيرانية من نموذج الدفاع الثابت إلى الردع المتحرك متعدد المحاور حيث تسعى طهران إلى تحصين مجالها الجوي والبحري وملء الفجوات الاستخبارية والتقنية التي كشفتها الضربات الإسرائيلية والأمريكية خلال المعركة الأخيرة. كما تبرز الشراكة العسكرية والتكنولوجية مع الصين كبديل استراتيجي متصاعد عن الحليف الروسي الذي تراجع دوره نتيجة مواقفه المترددة وانشغاله في الحرب الأوكرانية. ويبدو أن إيران بدأت تتبنى نهجًا أكثر استقلالية وتكيفًا مع دينامكيات التهديد يقوم على مبدأ الضربة الاستباقية وتعدد أدوات الردع ودمج الساحة الداخلية بالاستراتيجية الإقليمية كخط دفاع متقدم.
مؤشرات الضربة القادمة
تشير التقديرات العملياتية إلى اقتراب تنفيذ ضربة عسكرية مشتركة ضد إيران من أبرز مؤشراتها:
- تسارع وتيرة إعادة التسلح بين إيران وإسرائيل إذ حصلت طهران على بطاريات دفاع جوي و صواريخ صينية حديثة وتسعى لاقتناء مقاتلات J-10 لتحديث دفاعاتها الجوية.
- رغم تضرر المنشآت النووية الإيرانية تواصل طهران تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة الطرد المركزي وقد أوقفت التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما يجعل مصير مفاوضاتها مع إدارة ترمب غير واضح.
- إعادة انتشار القوات الأمريكية والبريطانية في القواعد والدول المجاورة لإيران.
- تصعيد نشاطات الاستطلاع الجوي والإلكتروني المعادي باستخدام الأقمار الصناعية والمسيّرات الأمريكية والإسرائيلية لرصد أنظمة الاتصالات والرادارات الإيرانية.
- أكمال تهيئة و إعداد الطائرات الحربية الإسرائيلية لمهام هجومية دقيقة ضمن سيناريو حرب خاطفة ومدمرة.
- تعزيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية وتحديث آليات التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية واليمنية ومعالجة نقاط الضعف.
- تحييد موسكو دبلوماسيًا و عسكريا لمنع أي تدخل روسي في مجريات العمليات.
- ضغوط أمريكية مباشرة على الصين لمنعها من تسليح ايران و لإبعادها عن تقديم أي دعم عسكري او تقني أو استخباراتي لطهران في المستقبل.
- عزل الفصائل العراقية المسلحة والضغط عليها من قبل الجانب الأمريكي وإضعاف الرابط العملياتي بينها وبين إيران.
- تصاعد وتيرة التفجيرات والاغتيالات و الحرائق داخل إيران في مؤشر على اختراق أمني منظم ومتصاعد.
- نشاط حركات المعارضة الانفصالية المسلحة وزعزعة العمق الإيراني في الأطراف .
*الاستنتاجات
- تعكس عملية إعادة هيكلة المنظومة الدفاعية الإيرانية استجابة عقلانية وضرورية للتحولات المتسارعة في البيئة التهديدية الإقليمية مما يدل على إدراك القيادة الإيرانية لحجم التحديات وطبيعتها الجديدة.
- يُعد تأسيس مجلس الدفاع بصلاحيات تنفيذية مركزية خطوة استراتيجية لردم الفجوة القيادية في منظومة إدارة الطوارئ الوطنية ومحاولة لإرساء توازن تنظيمي بنيوي يعالج التشظي السابق.
- تؤشر التحركات الأخيرة إلى ضرورة وجود مركزية محسوبة ومنضبطة في القرار العسكري بما يضمن التناغم بين المؤسسات الأمنية المتعددة (الجيش و الحرس الثوري و الاستخبارات) ويمنع التداخل والتضارب الذي كان سائدًا في المراحل السابقة.
- ولأول مرة تُبنى قيادة عسكرية موحدة تحت سلطة رئيس الجمهورية منفصلة عن الهيمنة التقليدية للحرس الثوري بما يعكس تحولًا جوهريًا نحو توحيد القرار السياسي-الأمني-العسكري في أعلى مستوى.
- تكشف الإجراءات الأمنية الأخيرة عن وعي متزايد لدى القيادة الإيرانية بخطورة الاختراقات التخريبية المتكررة داخل العمق الإيراني والتي قد تؤدي إلى تقويض الاستقرار الداخلي في حال عدم معالجتها بشكل شامل وسريع.
- تُدرك طهران أن التحضيرات الغربية والإسرائيلية لعمل عسكري واسع النطاق لم تعد احتمالا نظريًا بل تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا يتطلب استجابة فورية تكاملية وشاملة من مختلف مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية.
- كما أن الإدراك الإيراني للمحاولات الغربية الرامية إلى عزلها إقليميًا ودوليًا يعبّر عن حساسية عالية تجاه الأبعاد السياسية والاقتصادية للصراع مما يضيق من هامش المناورة الدبلوماسية ويزيد من ضغوط الرد العملياتي المدروس.
- في المقابل تصاعد نشاط المعارضة الانفصالية وحرب المعلومات النفسية والاستخبارية يفاقم من هشاشة الجبهة الداخلية ويزيد من تعقيد مهمة الحفاظ على الاستقرار المجتمعي.
- غير أن استمرار الاعتماد على الأساليب التقليدية في الإصلاح الدفاعي من دون تبني تحديثات حقيقية وواقعية على مستوى الهيكل والتكنولوجيا والتكتيك قد يُفشل جهود إعادة بناء المؤسسة الدفاعية ويُبقيها عُرضة للانكشاف.
- احتمالية تنفيذ عمليات تخريبية داخلية واسعة النطاق عبر خلايا مرتبطة بالموساد تستهدف شخصيات دينية وسياسية مهمة و مراكز صنع القرار بشكل اوسع واكبر من العمليات في المرحلة الاولى .
- أحتمالية انخراط أطراف دولية جديدة في التصعيد المرتقب مما يوسع نطاق المواجهة ويعقّد التقديرات العسكرية الإيرانية.
- وأخيرًا تؤكد جميع هذه المؤشرات أن إيران باتت أمام مفترق طرق مصيري: إما الدخول في مرحلة إعادة ضبط عميقة وجريئة للبنية الدفاعية أو مواجهة سيناريوهات تفكك تدريجي تحت ضغط داخلي وخارجي متزامن.
الخاتمة
تعكس الاستراتيجية الإيرانية الجديدة محاولة جادة لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي في ضوء تهديدات متعددة الجبهات. وهي تستند إلى الجمع بين البعد المؤسسي والتكنوقراطي من جهة والثوابت العقائدية للنظام من جهة أخرى. لكن فعالية هذه الاستراتيجية تظل مرتبطة بقدرة القيادة على اجتياز تحديات بنيوية وأمنية حساسة وتبنّي إصلاحات شاملة تتعدى الإطار العسكري لتشمل البنية السياسية والاقتصادية للدولة. في النهاية يبقى مستقبل إيران الدفاعي رهينًا بمدى مرونة المنظومة في التفاعل مع التهديدات والتحولات وقدرتها على بناء منظومة ردع حقيقية تضمن الاستقرار دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة. والتي قد تجبر مجلس الدفاع الى إتخاذ قرارات مصيرية سوف تغيير تاريخ أيران السياسي.


