يشهد التاريخ والأيام أن العراق بلد محوري في صناعة النفط العالمية، فليتذكر من يعتمد التجاهل والنسيان أن العراق هو أحد الدول الخمس التي أسست منظمة أوبك عام 1960 في بغداد. بغداد هي من احتضنت أول اجتماع تأسيسي لأوبك، كما يمتلك العراق احتياطيات نفطية هائلة، ويُعدّ من كبار المنتجين عالميًا.
لكن الذي يجعل في القلب جرحًا لا يلتام، ورغم هذا الثقل التاريخي والاقتصادي، يلاحظ غياب شبه تام للصوت العراقي البحثي في المؤتمرات الدولية والمنشورات العلمية المختصة بقضايا الطاقة والنفط، بل وصل حد التجاهل، وكذلك في عداوة أوبك. هذا التناقض الكبير في المشهد العربي النفطي، وفي أوبك بالتحديد، يثير الاستغراب الشديد.
إذ كيف ولماذا يتوارى دور بلد ساهم بشكل فعال ومؤثر في تأسيس أوبك عن الساحة البحثية العالمية إلى هذا الحد؟ وصلت الوقاحة في التجاهل.
تهميش متعمد رغم الاستحقاق
هذا التهميش الكامل للعراق ولخبراته أمر غير مقبول، ويدعو للاستياء والاستهجان. فمن غير المعقول أن يُهمَّش بلد مؤسس لأوبك وصاحب رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم بهذا الشكل.
نعم، لقد عانى العراق ظروفًا صعبة أثّرت على مشاركته الدولية – حتى أن إنتاجه النفطي استُثني من نظام حصص أوبك لمدة تقارب عقدين (1998–2016) بسبب التحديات السياسية الداخلية.
لكن الوقاحة والاستمرار في تغييبه عن منصات النقاش الدولية وإدارة أبنائه لمنظمة أوبك أمر ليس له ما يبرره اليوم.
اليوم الشارع العراقي والعربي ينظر بدهشة إلى هذا الوضع؛ كيف يُعقل أن يُخرس صوت العراق في قضايا الطاقة، وهو منبع الحضارة النفطية ومهد أوبك؟ كيف يعقل أن لا يستلم الخبراء العراقيون دورهم البنّاء والتنموي في إدارة أوبك؟
موقع العراق في أسواق الطاقة
إن العراق لا يمثل رقما هامشيًا في سوق الطاقة، بل هو أحد أعمدته. كما أن العراق لا ينقصه الكفاءات، فهناك عشرات الباحثين والخبراء الذين يمثلون مرجعية علمية في شؤون الطاقة، ولكنهم مغيبون قسرًا عن النقاشات الرسمية والمؤتمرات الدولية.
إن غياب هؤلاء لا يعود إلى ضعف العراق بل إلى ضعف الإرادة السياسية داخل أوبك في إعطاء العراق دوره الحقيقي. وهذا الأمر يجب أن يتغير إن أرادت المنظمة أن تحافظ على تماسكها ومشروعيتها أمام شعوبها.
أمام هذا الواقع والتجاهل المتعمد من أوبك، لا بد من دعوة صريحة لاستعادة الاعتبار للدور العراقي في أوبك والمحافل الدولية للطاقة.
يجب على المنظمة والدول الأعضاء أن تشرك الخبرات العراقية في المؤتمرات والبحوث المشتركة وإدارة شؤون المنظمة، وتفسح كامل المجال للعراق في أن يساهم بأفكاره وسياساته في إدارة أوبك على قدر نظام المحاصصة والاستحقاق.
نعم، حان دور العراق في إدارة أوبك، وهذا حقّنا لا منّة من أحد.
وإني أرى، إن استمر هذا التجاهل الوقح والتهميش المتعمد من أوبك، فيجب على العراق أن لا يتردد في اتخاذ موقف جريء دفاعًا عن مكانته وحقوقه. حان وقت الانسحاب من منظمة أوبك – كما فعلت سلطنة عُمان – نعم، حان وقت الانسحاب.
الانسحاب كخيار استراتيجي
هذا الانسحاب قد يكون خيارًا مطروحًا إذا لم يتم إعادة احترام دور العراق كعضو ليس عاديًا في أوبك، بل مؤسس لها، وثالث أكبر احتياطي من بين أعضائها إن لم يكن الأول بامتياز.
فقد أثبتت عُمان (التي ليست عضوًا في أوبك) أنها تستطيع رسم سياستها النفطية المستقلة والتي تخدم تطلعات شعبها. وكذلك فعلت قطر بانسحابها عام 2019 احتجاجًا.
على العراق اليوم أن تكون حكومته جريئة مثل قوة اسم العراق، وأن تلوّح بورقة الانسحاب إن لزم الأمر، إن لم تُحترم حقوق العراق، لتصل رسالتنا، وأن تكون واضحة في جميع الميادين: صوت بغداد لا يمكن تجاهله في سوق الطاقة العالمي بعد الآن.


