منذ انقلاب ١٤ تموز عام ١٩٥٨، لم تتوقف سجالات العراقيين حول ما جرى ذلك اليوم، وهل كان عبد الكريم قاسم قائدَ ثورة تحررية أم زعيم انقلاب دموي أدخل البلاد في نفق مظلم لم تخرج منه حتى اليوم؟
الجدل يبدأ من مشهد قصر الرحاب، حيث أُبيدت العائلة المالكة في لحظة واحدة، وسط مشهد دموي بقي محفوراً في ذاكرة العراق. قُـتل الملك الشاب فيصل الثاني، والوصي عبد الإله، والملكة نفيسة، والأميرة عابدية “رحمهم الله جميعاً”، بطريقة لا يمكن توصيفها بغير المجزرة. لم يكن ذلك الإعدام الوحشي مجرد حادث طارئ، بل كان افتتاحاً لحقبة كاملة من سفك الدم، بدأت بانقلاب قاسم ولم تنتهِ حتى لحظة الاحتلال الأمريكي في عام (٢٠٠٣).
سقوط الملكية ومآلات العنف
قاسم رجل عقدي، لا بريء من الدم، ولا يمكن قراءة شخصية عبد الكريم قاسم إلا في إطار رجل عقدي، لا يؤمن بالسياسة التوافقية ولا بمبدأ التداول السلمي للسلطة. الرجل جاء إلى الحكم على ظهر الدبابة، وأسس لدولة الانقلابات والقوة، لا دولة المؤسسات. إن قاسم، الذي يتحدث عنه البعض بوصفه “الزعيم الوطني” أو “القائد المظلوم”، يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن ذلك الدم الأول الذي سال في بغداد، والذي فتح الباب أمام سيل لم يتوقف من الدماء العراقية.
ولم يكن قاسم بريئاً من دم العراقيين بعد تلك الليلة، فقد تبع انقلابه مجازر في الموصل وكركوك، وتصفيات سياسية داخل الجيش وخارجه، و«سُـحل» الناس في الشوارع تحت شعار: “الجمهورية الشعبية”! أصبحت بغداد مسرحاً للعنف المعلن، وكأن الدم هو ضريبة الجمهورية. لم يكن عبد الكريم قاسم وحده المسؤول .. نعم، لكن يمكن القول إنه أسس لقاعدة: من يحكم العراق منذ (١٩٥٨) يفعل ذلك بالحديد والنار.
حقبة متواصلة من الدماء
بعد قاسم جاء عبد السلام عارف، وتلاه شقيقه الشقي، ثم صراعات البعث، ثم المجرم صدام حسين، وكلهم واصلوا المشوار ذاته: جمهوريات لا تحترم الإنسان، ولا تعرف معنى السياسة إلا بوصفها امتلاكاً مطلقاً للسلطة. إن تاريخ العراق منذ ذلك اليوم حتى سقوط بغداد عام (٢٠٠٣) هو سلسلة متصلة من العنف السياسي، ابتدأت بذبح الملك وانتهت بفتح أبواب بغداد أمام الاحتلال. قد يقول البعض إن الزمن لا يعود للوراء، وإن الملكية كانت قد انتهت في العالم العربي .. لكن الحقيقة أن الانقلاب الجمهوري لم يأت بالديمقراطية ولا بالعدالة الاجتماعية، بل جرّ العراق إلى حروب وصراعات وانقلابات داخلية لا تزال آثارها باقية حتى الآن.
ربما لو استمر النظام الملكي، بتطويره وإصلاحه، لكان العراق قد تجنب الدم الذي أغرقه حتى أذنيه. الجدل مستمر، لكن الدم لا يُـنسى ..
يبقى الجدل قائماً بين من يرى قاسم محرراً ومن يراه دموياً، ولكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن انقلاب (١٩٥٨) كان لحظة مفصلية في تاريخ العراق، فتحت باب العنف على مصراعيه. والدم الذي سال يومها، من الملك الشاب وأسرته إلى ضحايا الحروب والانقلابات التالية، هو سلسلة متصلة لم تنقطع حتى اليوم.
ربما آن الأوان لإعادة قراءة ذلك التاريخ، لا بعين الرومانسية الثورية، بل بعين المسؤولية الوطنية.


