كيف تُباع السيادة بالمقالات وتُغلف الخيانة بالتحليل؟! خور عبدالله بين السيادة والتبرير المغلّف بالديبلوماسية القانونية

كيف تُباع السيادة بالمقالات وتُغلف الخيانة بالتحليل؟! خور عبدالله بين السيادة والتبرير المغلّف بالديبلوماسية القانونية
ينتقد النص الترويج لاتفاقية خور عبدالله كإنجاز قانوني و دبلوماتي، ويؤكد أنها تمثل تفريطًا سياديًا تحت ضغط دولي. يُبرز خطورة تبلیغ التنازل بوصفه براغماتية، ويشدد على أن السيادة لا تُختزل في مشاريع مشتركة، بل تُؤسس قبلها...

يُثار بين الحين والآخر خطابٌ يحاول تقديم اتفاقية خور عبدالله بوصفها إنجازًا ديبلوماسيًا قانونيًا لا يتعارض مع السيادة العراقية، بل يمثل “إدارة واقعية للمرحلة”. وبينما يلبس هذا الخطاب لبوس التحليل الدستوري والقانوني، فإنه يُخفي عملية تبرير ممنهجة لتفريطٍ مؤسسي بسيادة العراق البحرية، عبر تقديم “مصلحة الدولة” كغطاء ناعم للرضوخ الممنهج، متجاهلًا السياق التاريخي والوقائع الميدانية وخطورة المخرجات.

السياق التاريخي للسيادة العراقية على خور عبدالله

  • خور عبدالله كان ممرًا مائيًا عراقيًا خالصًا في إدارة الدولة العثمانية ثم الملكية ثم الجمهورية، وكان يُدار فعليًا من قبل محافظة البصرة ومؤسسات الموانئ العراقية.
  • الخور كان محورًا لخطط تنموية كبرى، أبرزها مشروع المنطقة الحرة الكبرى في السبعينات الذي تم تعطيله بعد اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية، وكان مقرراً أن يتحول إلى عقدة ملاحية وتجارية تنافس هونغ كونغ.

ترسيم الحدود… لا يعني التخلي عن السيادة

القرار الأممي 833 لعام 1993 جاء بعد حرب الخليج الثانية، وفرض خطوط ترسيم حدود لا تستند إلى اتفاقات ثنائية ندّية، بل إلى قوة الواقع الدولي. ومن هنا، لا يمكن تسويقه كمرجعية تعاقدية طوعية من جانب العراق.

واتفاقية خور عبدالله لسنة 2012 تم توقيعها تحت ضغط سياسي ودولي واضح، في ظروف دولة لم تستكمل سيادتها، وكانت لا تزال تحت البند السابع.

هذه الاتفاقية، رغم ما يقال عنها، أضعفت الموقف القانوني للعراق بإضفاء صفة “التنظيم المشترك” على ممر يفترض أنه عراقي في معظمه، وتحولت عمليًا إلى غطاء يمنح الطرف الكويتي سيطرة استراتيجية على عمق الساحل العراقي الجنوبي.

 ميناء الفاو وميناء مبارك… اختلال في توازن المصالح

تشغيل ميناء الفاو الكبير لا يعني إسقاط الحاجات السيادية البحرية، بل يؤكد حاجتنا لتأمين المياه الإقليمية من الهيمنة المجاورة. والقول إن ميناء مبارك “ليس تهديدًا”، هو استخفاف بالموقع الجغرافي والمناورات الإقليمية، إذ إن إنشاء الميناء الكويتي تم تحديدًا عند أضيق نقطة بحرية لخنق الملاحة العراقية.

والترويج لفكرة أن الكويت تبني “ميناء رديفًا” للفائدة العراقية، يخلط بين حلم التعاون الإقليمي والوقائع الجيوسياسية الصلبة، التي تؤكد أن الكويت تسعى إلى أن تكون المحطة الأخيرة للملاحة، فيما يُختصر دور العراق بالنقل البري فقط، وهو دور ناقص السيادة.

منطق الشراكة لا يلغي حقوق السيادة

الدعوة إلى تحويل خور عبدالله إلى “منطقة اقتصادية حرة مشتركة” بين العراق والكويت، فكرة استثمارية على الورق، لكنها تتنازل فعليًا عن المياه الإقليمية لصالح كيان مشترك غير محدد السيادة.

أي مشروع مشترك يجب أن يُقام بعد ترسيخ السيادة العراقية الكاملة، وليس بوصفه بديلاً عنها، وإلا فإننا نؤسس لنموذج جديد من “الاستثمار مقابل التنازل عن الحدود”.

القانون الدولي لا يشرعن التنازل عن حقوق الشعوب

لا توجد قاعدة في القانون الدولي تُلزم الدول بالتفريط في حقوقها البحرية لتحقيق الاستقرار.

الاتفاقيات التي تبرم في ظروف ضعف داخلي وضغط دولي تخضع للطعن والإبطال وفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، وخاصة إذا كانت تخل بالسيادة أو أبرمت تحت تأثير الإكراه السياسي أو العسكري أو غياب التوازن التفاوضي.

الدولة لا تُدار بالمقالات ولا بالتبريرات

القول إن مصلحة العراق تتحقق “بقراءة الواقع” لا بتجاوزه، مقولة صحيحة في الظاهر، لكنها تُستخدم هنا لتسويق التنازلات بوصفها براغماتية، والتفريط بوصفه حِكمة.

إن أكثر ما يضعف الدول، ليس الشعبوية، بل حين يتحوّل بعض رجال الدولة إلى مروّجي التبرير تحت راية القانون، ويفقدون القدرة على قول “لا” عندما يتطلب الأمر موقفًا سياديًا.

فالقانون حين يُستخدم لتبرير التفريط، يصبح هو ذاته أداة تزيين للتنازل لا لحمايته، وتلك أول الطريق إلى مزبلة التاريخ… وإن كُتب الدخول إليها بلغة راقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *