إلغاء اتفاقية خور عبد الله: الدفاع عن السيادة أم التفريط بها؟
نجح عدد من أعضاء مجلس النواب العراقي، مدعومين بجمهور واسع من النشطاء والمواطنين، في تحقيق مطلب جماهيري بإلغاء اتفاقية “تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله” على المستوى الداخلي. وقد تم ذلك بدوافع وطنية مشروعة، حملت عنوان “الدفاع عن السيادة العراقية”، ورفض التبعية أو التفريط بالحقوق البحرية، خصوصاً في ظل تاريخ طويل من الخلافات مع الجارة الكويت بشأن ترسيم الحدود البحرية، لا سيما بعد قرار مجلس الأمن رقم 833.
لكن المفارقة المحزنة اليوم، أن من أشرفوا على صياغة هذه الاتفاقية، بل ودافعوا عنها وباركوها، هم ذاتهم من يتصدرون مشهد التخويف والتحذير والتهويل بعد إلغائها، ويضعون العراق في خانة “الخاسر” دولياً. والأدهى أنهم يحاولون قلب الموقف الوطني الشعبي إلى جريمة استراتيجية، عبر خطاب يقوم على فرضية قانونية مضللة مفادها أن العراق خسر حق “الإدارة المشتركة” للممر الملاحي، وبالتالي سيواجه عزلة بحرية أو عراقيل من قبل الجانب الكويتي.
بين السيادة والوصاية
قبل تحليل موقف هؤلاء المستشارين، من المهم التذكير بأن اتفاقية خور عبد الله لم تكن اتفاقية حدودية جديدة، بل اتفاقاً فنياً مؤقتاً لتنظيم الملاحة، أُبرمت تحت ضغط سياسي عقب صراعات ممتدة، وجرى تمريرها دون مناقشة حقيقية في الداخل العراقي، ومن دون استفتاء شعبي أو إدراك عام لتبعاتها.
وبحسب ما ورد من تحذيرات “المستشارين”، فإن إلغاء الاتفاقية سيفقد العراق حقه في “الإدارة المشتركة” للقناة، ما يترك الكويت صاحبة اليد الطولى في تحديد تعليمات المرور والصيانة والبيئة والطوارئ. لكن هذا الادعاء يتجاهل أساساً جوهرياً في القانون الدولي، وهو أن “حق المرور البريء” في المضائق الدولية والممرات البحرية المشتركة لا يُلغى بإلغاء اتفاقيات ثنائية. بل هو حق مستقر بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تضمن لكل دولة مشاطئة حق المرور والتنقل في مياه الملاحة الدولية، بما في ذلك القنوات الواقعة في مناطق سيادة مزدوجة أو متداخلة.
أما قولهم بأن القناة تقع ضمن “النصف الكويتي من الخور”، فهو استنتاج انتقائي يتجاهل أن قرار مجلس الأمن 833 نفسه قد اعتمد “خط الوسط” كقاعدة لرسم الحدود، وأن الاتفاقية ذاتها في مادتها السادسة أكدت بأنها “لا تمس بقرارات الترسيم الصادرة عن الأمم المتحدة”. أي أن وضعية السيادة على القناة لم تكن يوماً محسومة أو مفروغاً منها لصالح طرف واحد.
من يهدد السيادة؟
الغريب أن بعض الأصوات، التي تنبأت اليوم بكارثة بحرية قادمة، هي ذاتها التي ساهمت في وضع العراق في هذا الموقف الحرج، من خلال الموافقة على اتفاقية تنتقص من حقه الطبيعي في استخدام موارده المائية. وها هي اليوم تحاول تبرير ما لا يُبرر، بل وتُلوّح بـ”الخسارة الزمنية” كأنها قدر محتوم على العراقيين، إذا ما تجرأوا على مراجعة اتفاق أُبرم دون استشارة شعبهم.
هذا السلوك السياسي ليس إلا نوعاً من الرهان المحرم على الزمن، رهان يسعى إلى تجميد السيادة بذرائع قانونية وديبلوماسية ضيقة، وإلباس التبعية ثوب العقلانية، والركون إلى السكوت الدولي على حساب حق العراقيين في إدارة ثرواتهم وموانئهم وسيادتهم البحرية.
من الرابح ومن الخاسر؟
الإجابة لا تحتاج لانتظار “الزمن” كما يروج المستشارون؛ الرابح الحقيقي هو من يستعيد قراره الوطني، ويفرض مراجعة دقيقة لأي اتفاق يمس السيادة والمصلحة العامة. أما الخاسر فهو من يبرم اتفاقيات نيابة عن الشعب، ثم يخوّفه من تبعات إلغائها، بدلاً من أن يواجه مسؤوليته التاريخية عنها.
ولن يُعفى أحد من الحساب التاريخي إنْ ثبت أن اتفاقية خور عبد الله قد جرى تمريرها دون شفافية، أو مقابل وعود أو تفاهمات لم يُفصح عنها، أو خدمة لأجندات غير وطنية. إن الدفاع عن السيادة لا يكون بالصمت، ولا بالخضوع، بل بإعلاء صوت الحق في وجه سلطان جائر، أو مستشار مطبل للسلطان، مهما كانت عواقب هذا الموقف.
والتاريخ لا يُكتب في المكاتب ولا في محاضر الاجتماعات، بل في الضمائر التي ترفض المساومة باسم “المصلحة العليا”
أعظم الجهاد عند الله كلمة حق تُقال عند سلطان جائر


