العلاقات الدولية بين الماضي والحاضر والمستقبل

العلاقات الدولية بين الماضي والحاضر والمستقبل
تناولت العلاقات الدولية تطوراً من الحروب والهيمنة إلى محاولات إرساء السلم، لكنها ما زالت رهينة مصالح القوى الكبرى وازدواجية المعايير. يتطلب مستقبلها التعاون، العدالة، تعزيز القانون الدولي، واحترام حقوق الإنسان والتنمية المستدامة...

أولا:-جذور العلاقات الدولية:

1.ان العلاقات الدولية قائمة منذ زمن بعيد، منذ ان وجدت الجماعات البشرية وتنوعت وتعددت، منذ قيام ((المدينة الدولة))مثل المدن الفينيقية(صور وصيدا)ودول المدن المصرية(طيبة،ممفيس) واليونانية(البوليس مثل أثينا، سبرطة، طيبة، وكورنثوس))، والتي كانت في مجملها قائمة على ((القوة والحروب))، كوسيلة تتخذها الاقوام القديمة لفرض ارادتها على الاقوام الضعيفة، ولما كان الملك الحاكم في الماضي يجسد الدولة.

2.كانت المنازعات تحل ب((الحروب))، فقد كان السائد ان تطغى الصراعات على القضية البشرية، مع الابقاء على بعض الاستثناءات التي تهدف الى تنظيم العلاقات نحو السلام، بسلك ((الطرق الدبلوماسية البدائية)) التي يعبر عنها ب((المفاوضات))، و ضلت تستعمل للتعبير عن التعامل السلمي بين الدول حتى منتصف القرن السابع عشر، حيث حلت محلها(( الدبلوماسية))التي يعرفها البعض ” بفن المفاوضات “، و المفاوضات لا تعني بالضرورة بديلا كاملا عن ((استخدام القوة))، انما جاءت كاستثناء للتخفيف من حدة الحروب التي كانت طاغية على العلاقات الدولية حتى معاهدة وستيفاليا سنة 1648م (ظهور الدولة القومية).

  1. ولما كانت ((الحروب)) عبارة عن نزاع مسلح بين دولتين او اكثر بقصد الغلبة و فرض شروط للسلام، فان ((الدبلوماسية)) هي فن الاقناع دون استعمال القوة في سبيل المحافظة على السلام، هكذا نجد ان هناك علاقة ربط في الاهداف بين ((الحرب والدبلوماسية)) كما أكد ذلك ((هنري كيسنجر)) وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية،((ان هناك زواج بين القوة المسلحة و الدبلوماسية و ليس بينهما طلاق)).
  2. بعد الحرب العالمية الاولى 1918((أن السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الأولى حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند مع زوجته من قبل طالب صربي يدعى غافريلو برينسيب في 28 يونيو/حزيران عام 1914 أثناء زيارتهما لسراييفو)).ومن الاسباب لها ((التنافس الإمبريالي بين القوى العظمى في أوروبا، إضافة إلى نزعات القومية المتزايدة والتحالفات المتشابكة بين الدول. وكانت ألمانيا والنمسا-المجر تُعتبران القوى المركزية، في حين شكّلت بريطانيا وفرنسا وروسيا التحالف الثلاثي، الذي أصبح لاحقاً الحلفاء)) لجأ المجتمع الدولي الى المطالبة بتحقيق ((السلم)) عن طريق ((القانون الدولي))،وقد تجسدت هذه المطالبة عمليا بقيام ((عصبة الامم))، كمنظمة دولية تعمل على استقرار السلم و الامن الدوليين، إحدى المنظمات الدولية السابقة التي تأسست عقب ((مؤتمر باريس للسلام)) عام 1919 ، الذي أنهى الحرب العالمية الأولى التي دمّرت أنحاء كثيرة من العالم وأوروبا خصوصًا ألا ان ((التضامن)) بين أعضاء عصبة الامم كان ((مفقودا))، فقد انقسمت المواقف بين من يريد من هذه المنظمة ان تتمتع ب((القوة والقدرة)) على مراقبة ألمانيا واجبارها على احترام معاهدة السلم، وذلك بإنشاء قوة عسكرية تابعة لها، وكانت فرنسا من مناصري هذا التوجه، في حين كان هناك توجه اخر عملت انجلترا و أغلبية الدول الانجلوساكسونية على ان لاتكون عصبة الامم قوة قاهرية تحد من سيادة الدول، حيث تبقى مسخرة لارادة الدول على ان تتمتع بحق الوساطة الدولية في حال قيام اي نزاع او نشوب خصام،
  3. وبعد اتفاق ميونخ 1938م، وهي اتفاقية تمت في ميونخ في 30 سبتمبر 1938، بين ألمانيا النازية، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وكانت بمثابة تسوية تسمح بضم ألمانيا النازية لمنطقة ((السوديت)) التابعة ل((ـتشيكوسلوفاكيا)) والتي يعيش فيها مواطنون ناطقون ب((الالمانية)) في محاولة لاحتواء ألمانيا النازية وتجنب اندلاع حرب عالمية أخرى

6.وبدأت ((بريطانيا)) تبدل من سياستها القديمة ((المسالمة))، لتتجه نحو ((التسلح والقوة))، وقيام الدول الدكتاتورية بالاعتداء و العنف لتنفيذ سياستها، لكل هذه الاسباب كان لابد ان يعود للقوة الدور الاساسي في العلاقات الدولية، التي كانت من نتائجها قيام الحرب العالمية الثانية1939-1945،((وقعت الحرب العالمية الثانية (1939م- 1945م) بين طرفَين رئيسيين هما(( دول المحور)) و((دول الحلفاء))، وانتهت الحرب بخسارة دول المحور وهي ما يأتي:

أ-ألمانيا بقيادة أدولف هتلر.

ب-إيطاليا بقيادة موسوليني.

ج-اليابان بقيادة الإمبراطور هيروهيتو.بالإضافة إلى: بلغاريا ورومانيا ولاحقًا انضمّت لهم فنلندا والمجر.

أمّا دول الحُلفاء فهي ما يأتي:

أ-تحالفت فرنسا وبولندا وبريطانيا في بداية الحرب.

ب-انضمّت إليهم سريعًا دول الكومنولث البريطاني، وهي (أستراليا، كندا، نيوزيلندا، جنوب أفريقيا، الهند).

ج-انضمّ إليهم الاتحاد السوفيتي بعد أن خالفت ألمانيا الاتفاقية التي بينهما.

د-انضمّت إليهم اليونان بعد فشل إيطاليا.

هـ -انضمّت إليهم كل من الولايات المُتحدة والصين.

ويجدر القول أنّ الدول المُسيطرة بين دول الحلفاء هي الاتحاد السوفيتي، والمملكة المُتحدة، والولايات المُتحدة. وبعد انتهاء الحرب وقيام هيئة الامم المتحدة1945، بدأت العلاقات الدولية تميل نحول ((السلم)) أكثر من ميلها نحو ((الحرب))، لكن تطور الاحداث الدولية أدى إلى تعطيل سياسة ((الامن الجماعي)) ويهدف نظام الأمن الجماعي collective security الذي بدأ تطبيقه في العلاقات الدولية مع قيام عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، إلى الحيلولة دون تغيير الواقع الدولي أو الإخلال بعلاقاته أو أوضاعه على نحو غير مشروع، وذلك بتنفيذ تدابير دولية جماعية تكون قوة ضاغطة ومضادة لمحاولات ذلك التغيير، بانقسام العالم الى معسكرين متخاصمين يميلان بعلاقتهما نحو الحرب أكثر من ميلهما نحو السلم، الا ان وجود الاسلحة الذرية لدى كل من هذين المعسكرين بدل من مفهوم الحرب، فتحولت من ((صراع)) هدفه ((الحاق الهزيمة بالخصم)) الى ((صراع)) من اجل(( فناءه))، لذلك خيم على العلاقات الدولية نوع من السلم قائم على ((توازن الرعب)) وفق قانون ((لاغالب ولامغلوب))، بدون التخلي عن امكانية الحرب، و هو ما عرف ب((الحرب الباردة))، وهذا النوع من الحرب لم يبق في حالة ركود، بل أخذ حالة تصاعدية من التوتر في العلاقات الدولية، من خلال ((سباق التسلح)) و ((امتلاك أسلحة الدمار الشامل))، التي كادت ان تجر العالم الى حرب تدميرية فعلية تكون وباء على الجميع، ولكي يتفادى المجتمع الدولي هذا الحال طرح مبدأ((التعايش السلمي)) بين نظامين مختلفين((ومفهوم التعايش السلمي  في العلاقات الدولية دعا إليه خروتشوف (رئيس الاتحاد السوفياتي للفترة من 1955-1964 السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفياتي ))عقب وفاة ستالين، ومعناه انتهاج سياسة تقوم على ((مبدأ قبول فكرة تعدد المذاهب الإيديولوجية والتفاهم بين المعسكرين في القضايا الدولية)). و نعنى بالمعسكرين هنا المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي. كما تدعو الأديان كافة إلى التعايش السلمي فيما بينها، وتشجيع لغة الحوار والتفاهم والتعاون بين الأمم المختلفة، ليخفف من حدة التوتر ويقود في الوقت نفسه الى سياسة ((الانفراج الدولي:-  وهي السياسة  التي اتبعها المعسكران أثناء الحرب الباردة خاصة بعد عقد الستينات من القرن المنصرم للتخلّص من الشدة والضيق الذين وصل إليهما العالم.)) ومن ثم ((الوفاق:- هي محاولات بناء علاقات بين بلدين أو أكثر على أساس من المصالحة والوفاق بدلا من التوتر والمواجهة.ارتبطت فترة السبعينات بمحادثات الوفاق بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وبأسماء كل من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ومستشاره للأمن القومي ووزير خارجيته هنري كسنجر وليونيد بريجنيف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي)).، الى مرحلة انتقالية نحو العولمة((للعولمة معنيين الاول فكك وركب وفق النموذج الامريكي تغليب ثقافة على العالم وفق النموذج الامريكي والمعنى الاخر للعولمة بمعنى الدولية international  أي عولمة الطب والتعليم والامن وحماية المناخ  ومن ثم الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لذلك واخيرا استخدام الذكاء الاصطناعي((الذكاء الاصطناعي للفترة من 1900-1950ُ تعد هذه المرحلة هي بداية الظهور الحقيقي لمصطلح الذكاء الاصطناعي، إذ تناولت مسرحيات وأفلام خيال علمي معنى الروبوت بمعناه المعروف، وهم الأشخاص الاصطناعيين الذين يقومون بأفعال البشر في العالم الحقيقي)) وشهد عام 2023 إصدار OpenAI روبوت الدردشة الشهير ChatGPT، والذي يمتلك القدرة على إجراء محادثات مع البشر والإجابة على أسئلتهم)).واصبحنا نعيش فعلا في غرفة واحدة وفق العالم الافتراضي ))بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ليحكم العالم من قطب واحد بدلا من الثنائية  القطبية في فترة الحرب الباردة التي كانت قائمة سابقا، الا ان هذا لم يحد من التوتر، فالأزمات الاقليمية التي طرحت كانت تحل بالطرق العسكرية ولم تحل بالاداة السلمية، وهذا دليل على ان الصراع الدولي لم ينته بعد.

  1. ليس هناك اجماع موحد على تعريف العلاقات الدولية من قبل جميع الباحثين المهتمين بدراستها، فالقواسم مشتركة بينهم حيث ان العلاقات الدولية تتم عبر الحدود انها تتم خارج نطاق الدولة الواحدة، فهي تطال ((الدول)) و((المنظمات الدولية)) و((الشركات المتعددة الجنسيات)) و(( الجماعات السياسية)) ك((الاحزاب ))الى غير ذلك.
  2. العلاقات الدولية و القانون الدولي العام:-

يقصد بالقانون الدولي العام هو مجموعة من القواعد المنظمة للعلاقات بين الدول و المنظمات الدولية او غيرها من الجماعات السياسية، فالاضافة الى تنظيمه هذه العلاقة فهو يبين ما لهم من حقوق وما عليهم من التزامات شأنه شأن اي قانون، و لذلك يرتبط بالمعرفة القانونية، اذن الاختلاف بين علم العلاقات الدولية و القانون الدولي، يتمثل في ان الاول يهتم بالتحليل الموضوعي لراوبط الواقع من احداث في العلاقات الدولية، بينما يهتم الثاني بالتحليل الشكلي للروابط القانونية و هكذا يقتصر اللقاء في انهما مجرد يعملان في مجال واحد وهو العلاقات بين الدول.

9.العلاقات الدولية و التاريخ الدبلوماسي :

ان التاريخ يفسر الوقائع التي حدثت في الماضي و تحدث في الحاضر و يسجلها، انه يساهم بذلك في فهم القضايا الدولية المعاصرة و يدرك أهمية التعاون بين الشعوب، لذلك وجب الربط بين التاريخ السياسي و العلاقات الدولية لكونهما يشتركان معا في تناول العلاقات بين الدول، ولكون العلاقات الدولية تعتمد كثيرا على التاريخ لتتمكن من فهم أحداث الحاضر واستخراج القواعد التي تتحكم في الظواهر الدولية، اذن يتشارك التاريخ الدبلوماسي و علم العلاقات الدولية في مجال واحد و هو العلاقات بين الدول، بفرق ان الاول يتناول تاريخ الاحداث هذه العلاقات، اي انه يقوم بتسجيل الاحداث المحسوسة، بينما يسعى الثاني علم العلاقات الدولية الى الفهم الشامل لأحداثالعلاقات الدولية و علم السياسة

10.العلاقات الدولية وعلم السياسة :

ان علمي السياسة والعلاقات الدولية علمان يتناولان وجهين لواقع واحد، هو “المجتمع السياسي” و لكن بينما يتناول علم السياسة المجتمع السياسي في ذاته، يتناول علم العلاقات الدولية العلاقات ما بين المجتمعات السياسية المتعددة، بهذا يصبح علم العلاقات الدولية بمثابة فرع من علم السياسة، بمعنى اخر انه اذا كان علم السياسة يتناول من ظاهرة السلطة و الحكم في الدولة موضوعا أساسيا لدراسته، فإن العلاقات الدولية تهتم بدراسة السلطة في إطار المجتمع الدولي الذي يضم مجموع الدول التي تكونه. الواقع الدولي دون العناية بكل حدث بذاته.

11.العلاقات الدولية المعاصرة:

نشأ ما يسمى بـ”النظام الدولي الجديد”، النظام العالمي الجديد مصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج «بعد أسبوع واحد من نشوب الأزمة في أغسطس 1990م» وفي معرض حديثه عن هذا القرار، تحدث عن فكرة «عصر جديد»، و«حقبة للحرية»، و«زمن للسلام لكل الشعوب».وبعد ذلك بأقل من شهر في «11 سبتمبر 1990م»، أشار إلى إقامة «نظام عالمي جديد» يكون متحرراً من الإرهاب، فعالاً في البحث عن العدل، وأكثر أمناً في طلب السلام؛ عصر تستطيع فيهِ كل أمم العالم غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم فيما بينها.وهو في حقيقته ليس سوى إعادة إنتاج لهيمنة بعض القوى الكبرى، وتكريس شديد الوطأة لممارسات خاطئة سادت في العلاقات الدولية، والتي من نتائجها تعميق الفجوة بين الدول، وزيادة التبعية، وتآكل فكرة السيادة الوطنية في كثير من الأحيان. لذلك، لم يكن غريبًا أن يوجّه المفكرون ومنظّرو العلاقات الدولية سهام النقد إلى هذا النظام، إذ يرونه غير عادل في جوهره، ولا يستند إلى أسس قانونية أو أخلاقية متماسكة. هناك خاصيتين أساسيتين تطبعان منهج العلاقات الدولية في النظام الدولي الجديد:-

أ-هشاشة القوة الإلزامية لقواعد القانون الدولي:

فالقانون الدولي، في مبدئه النظري، يُفترض أن يكون الحَكَم والفيصل في تنظيم العلاقات بين الدول، وهو الذي يحدّد الحقوق والواجبات، ويضبط سلوك الفاعلين الدوليين. غير أن الواقع يبيّن بجلاء أن هذا القانون يعاني من ضعف شديد في إلزاميته، خاصة حين يتعلق الأمر بالقوى الكبرى أو الدول التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن الدولي. مثال واضح على ذلك هو الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث شُنَّت الحرب دون تفويض مباشر من مجلس الأمن، ودون احترام لمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالسيادة وعدم التدخل. وقد ثبت لاحقًا أن الذرائع التي استُخدمت لتبرير الغزو، مثل امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لم تكن دقيقة، ما يكشف ضعف الإلزام القانوني أمام القوة العسكرية والسياسية للدول العظمى. وكذلك الأمر في الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، حيث رأت روسيا أنها تتحرك دفاعًا عن أمنها القومي، بينما رأت أغلب الدول الأخرى أن ذلك يمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي. ومع ذلك، ظل الرد الدولي غير حاسم، بسبب توازنات القوى داخل مجلس الأمن وحق الفيتو الذي تملكه روسيا.

ب-هشاشة الأساس الأخلاقي الذي يرتكز عليه المنهج:

المقصود هنا منهج العلاقات الدولية، فالعلاقات الدولية في جوهرها، يجب أن تستند إلى منهج يحترم قيم التعاون، والعدالة، والاحترام المتبادل، لكنها في الواقع تغيب عنها هذه المبادئ، لتحلّ محلها المصالح الذاتية الضيقة، ومنطق الربح والخسارة، والقوة والهيمنة. وبذلك، تصبح الأخلاق في العلاقات الدولية مجرد شعارات تُرفَع في المؤتمرات والبيانات الصحفية، بينما تسود في الممارسة اليومية سياسات لا إنسانية، تتجاهل حقوق الشعوب، وتغضّ الطرف عن المآسي، ما دام ذلك يخدم أجندات معينة. لعل أوضح مثال على هذا التناقض الأخلاقي هو القضية الفلسطينية، حيث تستمر الانتهاكات الصهيونية  لحقوق الإنسان ولقرارات الأمم المتحدة منذ عقود وصولا الى طوفان الاقصى في 7/10/2023، دون وجود موقف دولي حاسم أو فاعل، بالرغم من وضوح القانون الدولي في هذه المسألة. فبينما تُرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، تُغضّ الأبصار عن الحصار، والاستيطان، والاعتداءات، والابادة الجماعية (الجينوسايد)، لأسباب سياسية واقتصادية تتعلق بدعم بعض القوى الكبرى للكيان الصهيوني . مثال آخر يمكن طرحه هو الموقف الدولي من الأزمات الإنسانية في اليمن أو السودان، حيث تتعامل الدول الكبرى بازدواجية في المعايير، فتدعم أطرافًا على حساب أخرى وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، وليس بناءً على مبدأ العدالة أو حماية المدنيين. إن غياب هذا الأساس الأخلاقي يجعل من النظام الدولي الجديد حالة من العبث السياسي، الذي يُضفي شرعية على الظلم، ويُلبس القمع لباس “الحفاظ على الأمن والسلام”، ويدّعي الديمقراطية بينما يدعم أنظمة استبدادية. وهكذا، يُختزل الإنسان إلى رقم في معادلة جيوسياسية، لا قيمة له ما لم يتقاطع مع مصالح القوى المتحكمة في النظام.

مستقبل العلاقات الدولية:

ومن أجل التعامل مع هذه التحديات، تتطلب العلاقات الدولية تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول،وبناء الثقة والتفاهم المتبادل بينها،وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي، وتعزيز قيم الحوار والتسامح والتعايش السلمي بين الدول. يجب على الدول العمل على تعزيز النظام الدولي المبني على القانون والعدالة، وتعزيز دور المنظمات الدولية والإقليمية في حل النزاعات وتحقيق السلام العالمي، وتعزيز دور المجتمع المدني والشركات الخاصة في تعزيز التعاون والتنمية المستدامة.وفي السياق ذاته يجب تعزيز دور الأمم المتحدة في تعزيز السلم والأمن العالمي، وتحقيق التنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. وأيضا يجب العمل على تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية بين الدول المتقدمة والنامية، وتعزيز التعاون الدولي في مجالات الصحة والتعليم والتكنولوجيا والبيئة والطاقة، وتعزيز الاستدامة البيئية والتكيف مع التغيرات المناخية.يمكن القول إن مستقبل العلاقات الدولية يتطلب تعاونًا وتنسيقًا دوليًا قويًا ومستمرًا، يركز على تعزيز الثقة والتفاهم بين الدول، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي. ويجب أن يتم تعزيز النظام الدولي المبني على العدالة والقانون والحقوق الإنسانية، وتحقيق التنمية المستدامة، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين الدول، وحماية البيئة وتكيفها مع التغيرات المناخية.ومن أجل ذلك يجب أن تعزز الدول الحوار والتسامح والتعايش السلمي، وتعمل على تعزيز الأمن العالمي وتحقيق السلام، وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. ولن يتحقق ذلك إلا بالتعاون والتضامن بين الدول، والالتزام بقيم العدل والمساواة والتعاون والتسامح والحوار، وبناء الثقة والتفاهم المتبادل بين الشعوب والدول. فمستقبل العلاقات الدولية يتطلب جهودًا متواصلة ومستمرة من الجميع لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *