ان البلاد الإسلامية قد حفلت منذ أواسط القرن الرابع الهجري بعدد كبير من المعاهد والمدارس الكبرى القائمة بذاتها، ولقد كان لبغداد حضها الوفير في رعاية ذلك، فلقد ذكر ابن جبير عند زيارته لبغداد عام 580هـ (1184م) مدارس بغداد قائلًا ( والمدارس نحو الثلاثين وهي كلها بالشرقية، وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها… ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة، تتصير إلى الفقهاء والمدرسين فيها، ويحرُّون بها على الطلبة ما يقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس شرف عظيم وفخر مخلد).وكانت مدارس بغداد في ازدياد مستمر منذ ذلك الحين حتى سقوط بغداد بيد المغول في سنة 656هـ، فلقد كان في بغداد علاوةً على المدارس عدد كبير من دور القران ودور الحديث وحلقات المساجد والكتاتيب والندوات الأدبية، بالإضافة إلى دور العلم وهي خزائن الكتب أو ما يطلق عليها اليوم اسم (المكتبات)، فعند قراءتنا لموضوع المدارس وعددها ووصف الرحالة لهذه المدارس وما يميزها يتكون لدينا تشوق لمعرفة المستوى العلمي لدى الطلاب ومدرسيهم، ولكثرة المدارس في بغداد مثلما ذكرنا سابقًا سوف نأخذ مدرسة واحدة من مدارسها ونجعلها نموذجًا ألا وهي المدرسة المستنصرية، ومن أجل معرفة المستوى العلمي لهذه المدرسة يجب تبيان أربعة أمور هي :
1.صفة الطلاب الذين كانوا يقبلون في هذه المدارس:
يقول الدكتور ناجي معروف في كتابه نشأة المدارس المستقلة في الإسلام، لقد عثرنا على طائفة كبيرة من المتفقه يبلغ عددهم 42 فقيهًا، وقد ساعدتنا دراسة عدد منهم على معرفة المستوى العلمي الذي كان عليه طلاب المستنصرية فيتبين ان هؤلاء الطلاب كانوا يتخيرون من بين الفقهاء النابهين ليكونوا طلابًا فيها أي بعد ان تكن لهم شهرة علمية بالتأليف والتدريس.
-
المستوى العلمي للشيوخ والمدرسين والمعيدين:
وهنا يبين الدكتور ناجي معروف انه عثر في هذه الجامعة على 30 شيخًا وقارئًا للحديث، وعلى 85 مدرسًا ومعيدًا لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة وهذا من غير شيوخ العربية ومعيديها وشيوخ دار القرآن ومعيديها وطلابها وعدا مدرسة الطب والأقسام العلمية الأخرى، ولقد كانوا يختارون من بين كبار العلماء والشيوخ في العراق والشام ومصر وغيرها من البلدان الإسلامية ممن حصلوا على إسناد عالٍ وانتهت إليهم رئاسة العلم أو عرفوا بالبحث والتحري عن الحقائق العلمية، يضاف إلى ذلك إن خزان الكتب في مكتبتها كانوا من العلماء الأفذاذ كإبن الساعي وإبن الفوطي.
-
وسائل الايضاح في المستنصرية:
لقد كان في هذه الجامعة أمران مهمان يرفعان من المستوى العلمي لطلابها ألا وهو وجود مستشفى يدرس بها الطب، وكذلك دار كتب عامرة تحتوي على أنواع المؤلفات، وقد ذكر المؤرخون ان ما حمل من كتب عند افتتاح المدرسة المستنصرية سنة 631هـ بلغ ثمانين ألف كتاب وغير ما حمل إليها بعد افتتاحها مما أدى إلى اتساع أفق المطالعة لدى طلبتها، وبالتالي رفع مستوى التعليم فيها.
-
وأما الأمر الأخير فهو نسبة المدرسين إلى الطلاب :
فيمكن لنا ان نعرف مدى علو المستوى العلمي للطلاب من قياس عدد الطلاب بالنسبة لعدد المدرسين، فلقد ذكر ان مجموع طلاب مدرسة الفقه 248 طالب، و20 مدرس، ومعيد فيكون لكل مدرس واحد 12,4 طالب، وأما مجموع الفروع الأخرى فيكون 298 طالب و29 مدرسًا فيكون عدد الطلاب للمدرس الواحد 10 طلاب تقريبًا. وعليه فيتبين لنا من خلال ذلك علو المستوى العلمي للجامعة المستنصرية، وبالتالي نستنتج من ذلك علو المستوى التعليمي في المدارس البغدادية القديمة.


