البعد الديني للصراع في الشرق الأوسط، بين الهيمنة الغربية والمقاومة الإسلامية

البعد الديني للصراع في الشرق الأوسط، بين الهيمنة الغربية والمقاومة الإسلامية
يرى المقال أن الصراع في الشرق الأوسط يتجاوز السياسة والمصالح، ليحمل بُعدًا دينيًا عميقًا. فالغرب يوظف الدين ضمن مشروع هيمنة، بينما تمثل المقاومة الإسلامية مشروعًا تحرريًا عقائديًا، ما يجعل المواجهة وجودية حضارية لا سياسية فقط...

باسم – الديمقراطية، الحرية، حقوق الإنسان، المساواة، والعدالة – تؤجج، تدعم، وتقود، قوى الغرب نزاعات وحروب، في كل ارجاء العالم الاسلامي، لكن نظرة عميقة للواقع، تكشف أن هذه الصراعات، خاصة في الشرق الأوسط، تحمل أبعادًا عقائدية ودينية مستترة، فالدين لم يغب عن السياسة، بل يوظف في الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الاستراتيجي، سواء كقناع ناعم أو كأداة مباشرة للصدام، وهناك شهادات لمفكرين ومؤرخين وفلاسفة غربيين تكشف هذه الحقيقة، كما ان الرؤية الإسلامية، تؤكد ان هذه الحروب هي امتداد تاريخي للصراع بين الحق والباطل.

• الغرب وعقدة الإسلام الاصيل

رغم ما يُعلن من شعارات سياسية، فإن الخطاب الغربي تجاه الشرق الأوسط، وخصوصاً الإسلام، يكشف عن تصورات دينية عميقة تؤثر في اتخاذ القرار، فيما يلي شواهد واضحة على تغلغل البعد الديني في سلوك قادة الغرب:

–  وزير خارجية أمريكا السابق “مايك بومبيو”: يقول “أنا مسيحي انجيلي وأؤمن بأن الله يرسل قادة للقيام بمهام، وقد نكون نحن أولئك القادة”. شبكة سي بي ان 2019

–  الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن: وصف حربه على الإرهاب بعد 11 سبتمبر بـ “الحرب الصليبية”. تصريح رسمي، البيت الأبيض، 16 أيلول 2001.

–  المستشار الألماني “فريدريش ميرتس”: أكد في تعليقه على ما يحدث في غزة ولبنان، ان إسرائيل “تقوم بالمهمة القذرة نيابة عنا جميعا” يقصد الغرب. دويتشه فيله، 2025.

–  رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو: “هوذا، سيقوم الشعب كالأسد العظيم، ويرفع نفسه كالأسد الشاب “من سفر العدد 23:24 (كتب نتنياهو هذا الاقتباس المستوحى من اية توراتية، بيده على ورقة خلال زيارة للحائط الغربي، قبل شن الضربات على إيران) رويترز

وبالتأكيد ان هذه التصريحات، لا يمكن فهمها بمعزل عن خلفيتها الدينية، فالدعم اللامحدود لإسرائيل، والعداء للإسلام المقاوم، لا ينبع فقط من مصالح جيوسياسية، بل من رؤى نبوئية لاهوتية متجذرة في العقل الغربي.

•  مفكرون غربيون يفندون الرواية الأخلاقية للغرب!:

في مقابل الرواية الغربية، التي تزعم أن تدخلاتها في العالم، نابعة من قيم الحرية والديمقراطية، يقف عدد من المفكرين الغربيين الكبار ليكشفوا زيف هذه السردية، ويؤكدوا أن ما يجري هو صراع ثقافي وديني مغلّف بالادعاءات الأخلاقية:

– نعوم تشومسكي:” التحالف مع إسرائيل تحالف أيديولوجي بقناع أخلاقي”. (الهيمنة أو البقاء، ص: 45)

– صامويل هنتنغتون:” المصدر الأساسي للصراع في هذا العالم لن يكون أيديولوجيًا أو اقتصاديًا، بل ثقافيًا”. (صدام الحضارات، ص: 20)

– إدوارد سعيد: “الاستشراق وسيلة للهيمنة على الشرق باسم المعرفة والتقدم”. (إدوارد سعيد، الاستشراق، ص: 32)

– جورج فريدمان: “حين تصل الصراعات إلى مراحلها الوجودية، يصبح الدين غلافًا تعبويًا لا مفر منه”. (المئة عام القادمة، ص: 87)

هذه الأقوال تؤكد ان السياسات الغربية لا تمثل نموذجًا أخلاقيًا، بل غطاءً أيديولوجيًا وثقافيًا لصراع أعمق مع الشرق المسلم، يقوم على تفوّق حضاري متوهَّم، ومشاريع هيمنة مغطاة بشعارات براقة.

• مقاربات إسلامية في تفسير الصراع:

تعتقد اغلب المدارس الإسلامية الحديثة، التي تتبنى المقاومة كمنهج، ان هذا صراع ديني وعقائدي صرف، حيث يرى أبرز القادة والمفكرين الاسلاميين المعاصرين، ان هذه الحرب هي معركة الحق والباطل:

– الإمام الخميني (قدس سره): “كل صراع بين الحق والباطل هو صراع بين الإسلام الأصيل وقوى الكفر والاستكبار”. (الوصية السياسية، مؤسسة تراث الإمام)

– الشهيد مرتضى مطهري: “الاستكبار العالمي هو فرعون العصر، والقرآن لم يذكر فرعون للتاريخ، بل لأنه متجدد في كل طاغية”. (الملحمة الحسينية، ج1، ص: 112)

– الشهيد محمد باقر الصدر: “الحرية التي ينادي بها الغرب هي عبودية مقنعة، لأنها تُبعد الإنسان عن حاكمية الله”. (اقتصادنا، ص: 33)

– شهيد الامة السيد حسن نصر الله: “إسرائيل ليست مجرد مغتصب للأرض، بل رأس حربة لمشروع عالمي تقوده أمريكا”.  خطاب 2 كانون الثاني 2000، أرشيف قناة المنار

– مالك بن نبي: “الاستعمار لا يدخل أرضًا إلا بعد أن يدخل عقلها”. (شروط النهضة، ص: 13)

– محمد عمارة: “الصراع في جوهره هو بين مشاريع ثقافية، لا بين دول فقط”. (الإسلام والتحدي الحضاري، ص: 76)

كما ان حركات المقاومة، مثل حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي وغيرها في العراق، تؤمن فكريا، بأن الصراع مع إسرائيل والغرب ليس سياسيًا، بل هو ديني عقائدي يرتبط بالتحرير والعدالة والتكليف الشرعي.

ويتضح من هذه الرؤى أن الصراع ليس نزاعا جيوسياسيا، انما هو مواجهة بين منظومتين عقائديتين، الاولى مادية توسعية تستخدم الدين عند الحاجة، والأخرى إيمانية ترى في المواجهة تكليفًا ورسالة، وهذا ما يجعل ساحة الصراع أعمق من أن تُفهم فقط بلغة المصالح، بل بلغة المصير الحضاري.

•  الدين والمصلحة في الغرب، تلاقي وتوظيف:

من الواضح جدا ان الدين في الغرب، ليس وحده المُحرّك للسياسات، بل يتقاطع مع المصالح المادية، فالدعم الغربي لإسرائيل يخدم تحالفًا، سياسيًا واقتصاديًا، لكن يبقى البعد الديني والعقائدي هو الأهم، خاصة لدى التيارات الإنجيليّة الصهيونية، المسيطرة والحاكمة حاليا.

ويؤكد ذلك “تيموثي ويبر” المؤرخ الأمريكي والمتخصص في الدراسات الدينية: “ان إسرائيل هي عبارة عن مفتاح نبوئي في الوعي الغربي، حيث انها ترتبط في العقل الديني الغربي، خاصة الإنجيلي، بمفهوم “نهاية العالم”، وقيامها شرط لعودة المسيح وفق عقائدهم”. (على طريق هرمجدون، ص: 104)

• المشروع الإسلامي، نهضة حضارية لا سياسية فقط:

الرؤية الإسلامية تعتقد أن ما يجري في المنطقة ليس مجرد مواجهة بين دول، بل صراع وجودي بين منهجين:

– مشروع هيمنة، قائم على التفوق والاستعباد، وهو مشروع الغرب الاستعماري.

– ومشروع إلهي قائم على العدل والتكامل الروحي والاجتماعي.

وهذا المشروع لا يُقصي الآخر، بل هو نظام عالمي يدعو إلى المساواة، ويقوم على الحوار والكرامة، لا الخضوع والإذلال.

•  نحو فهم شامل للصراع:

الصراع في الشرق الأوسط ليس صراعًا مذهبيًا أو جغرافيًا فحسب، بل هو جزء من نضال عالمي أوسع، بين الشعوب المستضعفة ومشاريع الهيمنة الغربية، ومثلما تقاوم أمريكا اللاتينية الاستعمار الاقتصادي، وتواجه الصين وروسيا مشاريع التغوّل الامريكي، فإن العالم الإسلامي بقيادة إيران وحلفائها في المحور، يقاوم مشروعًا يدمج بين الرؤى العقائدية الاستبعادية والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية.

وإن فهم البعد العقائدي والديني للصراع، سيساعد كثيرا في تفسير السلوك الغربي، واستيعاب وسائل الرد والمقاومة، حيث لا يمكن الانتصار في هذه الحرب دون مشروع تحرري عادل، يقوم على التوازن بين العقيدة والعقل، وبين الروح والبنية.

وهنا تصبح العقيدة أداة وعي وتحرر، لا مجرد شعار، وتغدو المقاومة جزءا من كرامة الإنسان على امتداد الجغرافيا الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *